هذا التحليق الجنوني حوّل "علوش العيد" إلى عبء مالي ثقيل يرهق كاهل العائلات التونسية، التي يواجه معظمها اليوم معضلة حقيقية في التوفيق بين إقامة الشعيرة الدينية وبين قدرتها الشرائية المنهكة، وسط تساؤلات حائرة: إلى متى سيظل قطاع اللحوم الحمراء رهين الحلول الترقيعية والمضاربات، دون استراتيجية حقيقية تحمي القطيع وتدعم المربي الصغير؟
صدمة الأسواق: رحلة البحث عن "خروف مستحيل"
كان يُنتظر أن يؤدي تحسن الغطاء النباتي وتراجع الاعتماد على الأعلاف الجافة إلى انخفاض كلفة الإنتاج، غير أن الواقع في الأسواق جاء مخيباً لآمال المستهلكين، إذ حافظت الأسعار على مستويات مرتفعة في مختلف الجهات.فيومياً، يتجول آلاف التونسيين في أسواق الأضاحي وبين الحظائر بحثاً عن أضحية بأسعار تناسب دخولهم، لكن الصدمة تتكرر مع كل جولة، إذ تجاوزت أسعار الخراف متوسطة الحجم هذا الموسم 1500 دينار ، بينما بلغت أسعار بعض الأضاحي الكبيرة ثلاثة آلاف دينار، في بلد لا يتجاوز فيه الأجر الأدنى المضمون 611 ديناراً
في الأسواق، يرتسم الوجوم على الوجوه؛ "أشرف" الذي اصطحب ابنه الصغير لشراء الأضحية، لم يكن يتخيل أن مبلغ 1000 دينار في جيبه لن يكون كافياً، ويقول بحسرة لـ "العرب أونلاين":
"الأسعار قفزت إلى مستويات لا تُصدق، لم نعد نجد خرافاً بـ 600 دينار كما في السابق، اليوم كل شيء يبدأ من 1500 دينار فما فوق".
من جانبه، يصف "حسين" (موظف في الخمسين من عمره) الوضع قائلاً: "شراء الأضحية أصبح يشبه شراء سيارة صغيرة! كنت أقتني خروفاً كل عام دون تفكير طويل، أما الآن فأحتاج إلى ادخار أشهر أو الاقتراض. عائلات كثيرة في محيطي بدأت تناقش التخلي عن الأضحية أو الاشتراك في خروف واحد بين أكثر من أسرة".
المربون في قفص الاتهام.. و"نار التكاليف" هي المتهم الأول
على الضفة المقابلة، يرفض المربون تحميلهم وحدهم مسؤولية موجة الغلاء، مؤكدين أن " نار التكاليف" تبقى المتهم الأول في أزمة الأضاحي هذا الموسم.
فبحسب تقديرات مهنيين في قطاع تربية الماشية، شهدت الثروة الحيوانية في تونس تراجعاً بمئات آلاف الرؤوس خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بالتزامن مع انخفاض الولادات نتيجة الجفاف وارتفاع كلفة التربية.
ويؤكد أحمد، وهو بائع خراف، أن أسعار الأعلاف ما تزال تستنزف الفلاحين، مشيراً إلى أن هامش الربح بالنسبة إلى المربي الصغير يكاد يكون منعدماً.
من جهته، يوضح عبد الصمد، صاحب مزرعة بولاية سليانة، أن الأعلاف والأدوية البيطرية وتكاليف النقل تلتهم الجزء الأكبر من المداخيل، مضيفاً: “لو كانت الأعلاف متوفرة بأسعار معقولة، لما تجاوز سعر الخروف 500 دينار”.
كما أشار إلى أن عدداً كبيراً من المربين اضطروا خلال السنوات الماضية إلى بيع إناث الأغنام بسبب الخسائر، وهو ما تسبب في تراجع حجم القطيع وشح المعروض في الأسواق، لتكون النتيجة ارتفاعاً آلياً في الأسعار.
واللافت هذا العام أن موجة الغلاء لم تقتصر على الأضاحي الجاهزة، بل شملت حتى الخراف الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها أسبوعين، والتي بلغ سعر الواحدة منها نحو 500 دينار، في وقت سجلت فيه أسعار الأضاحي زيادة تراوحت بين 200 و250 ديناراً مقارنة بالعام الماضي.
حلقة مفرغة: من الأضحية إلى مسالخ الجزارين
لا تتوقف تداعيات هذه الأزمة عند حدود موسم عيد الأضحى، بل تمتد لتلقي بظلالها على سوق اللحوم الحمراء اليومية، التي تعاني بدورها من شحّ هيكلي في العرض وارتفاع متواصل في الأسعار. فقد تجاوز سعر كيلوغرام لحم الضأن 70 ديناراً، وسط توقعات ببلوغه 80 ديناراً قبل العيد بأيام، مدفوعاً بإقبال العائلات على شراء كميات محدودة من اللحم كبديل اضطراري عن اقتناء الأضحية الكاملة.
وهكذا تتشكل حلقة مفرغة تزيد من تعقيد المشهد: شحّ في قطيع الأغنام يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأضاحي، ما يدفع جزءاً من المستهلكين إلى التوجه نحو شراء اللحم المقطّع من المسالخ والجزارين، وهو ما يرفع بدوره الطلب على اللحوم ويضغط على الأسعار أكثر. وفي ظل هذا التداخل بين ضعف العرض وارتفاع الطلب، يبقى السوق رهيناً لدورة تضخمية تعيد إنتاج الغلاء من موسم إلى آخر، دون حلول جذرية تضع حداً لهذا المسار التصاعدي.
المواقف الرسمية ومنظمات المستهلك: غياب الشفافية وتغوّل الوسطاء
تتباين قراءات الأزمة بين منظمات حماية المستهلك والجهات الرسمية والمهنيين في القطاع، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: هشاشة منظومة تسعير اللحوم الحمراء وغياب الشفافية في تحديد الكلفة الحقيقية للإنتاج.
فمن جهته، يرى رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، أن الأسعار الحالية للأضاحي " مرتفعة جداً " ولا تعكس القدرة الشرائية للتونسيين، مشيراً إلى أن غياب مؤشرات واضحة حول كلفة الإنتاج يفتح المجال أمام المضاربة ويعزز نفوذ الوسطاء في التحكم في السوق. ويؤكد الرياحي ضرورة ضبط الكلفة الحقيقية لإنتاج اللحوم الحمراء بشفافية ، مع إرساء آليات رقابة أكثر صرامة، بما يحدّ من التجاوزات ويضمن توازناً بين مصالح المنتج والمستهلك.
في المقابل، يقدّم مسؤول في القطاع الفلاحي قراءة أكثر تركيباً للأزمة، معتبراً أنها نتيجة تداخل عوامل عدة، من بينها التغيرات المناخية وتراجع القطيع بسبب ذبح الإناث في فترات سابقة، إضافة إلى الاعتماد شبه الكلي على الأعلاف المستوردة التي شهدت بدورها ارتفاعاً في الأسعار واضطراباً في التوريد. ويشير إلى أن هذا الوضع انعكس مباشرة على كلفة الإنتاج وعلى استقرار السوق، ما جعل الأسعار عرضة للتذبذب والارتفاع المستمر.
وبين هذه القراءات المتباينة، يبقى المشترك بينها جميعاً هو الإقرار بأن سوق اللحوم الحمراء في تونس تعيش أزمة بنيوية، تتجاوز منطق العرض والطلب الظرفي، لتطرح إشكاليات أعمق تتعلق بالحوكمة، وسلاسل التوزيع، ودور الوسطاء في تضخيم الأسعار.
التوريد كحل إسعافي: هل يكفي؟
أمام المخاوف المتزايدة من نقص المعروض، أعلنت السلطات التونسية نيتها توريد ما بين 15 و20 ألف رأس غنم من الخارج، في محاولة لتهدئة السوق والحد من ضغط الأسعار ومنع الاحتكار والمضاربة. غير أن هذا التوجه، رغم طابعه الاستعجالي، يثير شكوكاً واسعة لدى المهنيين والمستهلكين على حد سواء، الذين يعتبرون أن الكمية المورّدة تبقى محدودة مقارنة بحجم الطلب خلال موسم عيد الأضحى، ما يطرح علامات استفهام حول مدى قدرتها على إحداث تأثير فعلي على الأسعار.
وفي شهادة رسمية تعكس عمق الإشكال، أكد ممثل عن وزارة الفلاحة خلال جلسة استماع صلب لجنة الفلاحة بمجلس نواب الشعب (فيفري 2026)، أن تقييم الوزارة للموسم الماضي كشف عن مفارقات هيكلية في السوق. وأوضح أن ارتفاع أسعار خرفان الفطام المعدة للتسمين يعود، من جهة، إلى تزامن اقتنائها مع شهر رمضان حيث ترتفع أسعار اللحوم وتتحول إلى مرجع تسعيري، ومن جهة أخرى إلى تراجع القطيع بفعل الجفاف وتدهور المراعي.
وأضاف أن السوق تعاني أيضاً من تزايد عزوف المربين عن البيع بالميزان، وهو ما يساهم في خلق حالة من عدم الاستقرار والتذبذب الحاد في الأسعار، خاصة في الأيام الأخيرة التي تسبق عيد الأضحى، حيث تبلغ المضاربات ذروتها. وبين محدودية حلول التوريد وتشعب الأسباب البنيوية للأزمة، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الإجراءات الظرفية على معالجة اختلالات سوق تمتد جذورها إلى عمق المنظومة الفلاحية والاقتصادية.
بين الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج والمضاربة وتراجع أعداد القطيع، تبدو سوق الأضاحي في تونس هذا العام مرآةً لأزمة اقتصادية وفلاحية متشابكة، يدفع المواطن البسيط ثمنها في النهاية. فبينما يصرّ كثير من التونسيين على إحياء شعيرة العيد رغم الضغوط، تتزايد المخاوف من تحوّل الأضحية إلى عبء يفوق قدرة شرائح واسعة من المجتمع.
وفي انتظار حلول جذرية تعيد التوازن إلى قطاع تربية الماشية، يبقى السؤال مطروحاً: هل تنجح السياسات الظرفية، كالتوريد والرقابة الموسمية، في كبح الأسعار، أم أن الأزمة تتطلب رؤية وطنية شاملة تحمي القطيع، وتدعم المربي الصغير، وتضمن للمواطن حقه في أضحية بسعر معقول؟






















