خوارزميات تصنع الذوق العام
تعمل خوارزميات تيك توك بطريقة تجعل المستخدم يعيش في " فقاعة " من الاهتمامات المصنوعة، لا المكتسبة. موسيقى تنتشر في ساعات، تقليعات تظهر فجأة، ومواضيع رأي تتحول إلى موجات جماعية.
في تونس، يمكن ملاحظة ذلك من خلال انتشار نفس نوعية المقاطع، نفس الكلمات، وحتى نفس نبرة الحديث بين المراهقين. لم يعد الذوق فردياً، بل أصبح " خوارزمياً " .
شهرة سريعة… وهشّة
يستيقظ بعض الشباب ليجدوا أنفسهم في " تدويرة " البلاد خلال ساعات قليلة. مقطع عفوي أو لحظة غريبة قد تحوّل مراهقاً عادياً إلى اسم معروف في تونس، لكنه معروف هشّ، قد يتبخر في 48 ساعة.
هذه الشهرة السريعة تصنع إحساساً مضللاً بالنجاح، وتخلق ضغطاً نفسياً كبيراً على شباب يسعون لتكرار التجربة مهما كان الثمن.
محتوى خطير يتسلل في الصمت
خلف الضحكات والمقاطع السريعة، يختبئ الوجه الأكثر خطورة لتيك توك: تحديات مميتة، مشاجرات مُهينة، وسلوكيات تهزّ قيمنا التربوية في العمق. الأخطر أن الخوارزمية لا تكتفي بعرض المحتوى… بل تلتقط ميولات المراهق المظلمة وتغمره بها حتى الإغراق، فتُحوّل الفضول إلى إدمان، والمشاهدة إلى سلوك. وما يتابعه اليوم… قد يجرّبه غدًا .
أولياء يشعرون بأنهم فقدوا السيطرة
يؤكد العديد من الأولياء اليوم أنّهم لم يعودوا قادرين على معرفة ما يشاهده أبناؤهم داخل هذا العالم المغلق. فحتى عند المنع، ينشئ الطفل حساباً جديداً، أو يستعمل هاتف صديق، أو يلجأ إلى نسخة مخفية من التطبيق.
لقد تحوّل تيك توك إلى سلطة تربوية موازية داخل البيوت، سلطة تتسلل بصمت عبر الشاشة الصغيرة لتقدّم نموذجاً سلوكياً يومياً لأطفال لا تتجاوز أعمارهم10 أو 12 سنة. نموذج سريع، صاخب، وعنيف أحياناً، يفرض إيقاعه على طريقة تفكيرهم وحديثهم وتفاعلاتهم مع الآخرين. الأخطر أن تأثيره أصبح يفوق تأثير المدرسة والأسرة معاً، لأن الطفل يقضي معه ساعات طويلة دون رقابة، ودون قدرة من محيطه على فهم الخوارزميات التي تعيد تشكيل وعيه من الخلف.
الربح من تيك توك.. حلم بلا إطار قانوني
لم يعد تيك توك مجرد فضاء للتسلية؛ فقد تحوّل إلى منصة رزق جديدة لشباب تونسيين من مختلف الجهات، يجدون في البث المباشر والهدايا الرقمية فرصة لتحسين دخلهم اليومي في ظل انسداد الأفق الاقتصادي. لكن هذا الصعود السريع يجري في غياب تام لإطار قانوني واضح ينظّم الربح الرقمي، ما يضع آلاف الشباب في منطقة رمادية لا تعرف حدود الحقوق والواجبات. فبين عمولات غير معلنة، وإمكانية التلاعب بقيمة الهدايا، وغياب أي حماية ضريبية أو اجتماعية، يتحول بعضهم دون وعي إلى ضحايا استغلال أو احتيال، بينما تضيع حقوقهم الرقمية بلا جهة تشرف أو تراق
و اخيرا فجيل تيك توك ليس خطأه أنه وُلد في عالم رقمي… خطأنا نحن أننا تركناه يتشكّل بلا بوصلة. اليوم، تتحرك الخوارزميات أسرع من المدرسة، وتؤثر أكثر من العائلة، وتخاطب الطفل مباشرة دون رقيب أو وسيط. إن تركنا هذا الواقع يستفحل، فلن نفقد أبناءنا فقط، بل سنخسر نموذج المجتمع الذي نريد. المطلوب اليوم ليس حجب المنصات ولا شيطنتها، بل فهمها، تنظيمها، ومرافقة أبنائنا داخلها. فالمستقبل لن يُصنع في الفصول الدراسية وحدها… بل على شاشات صغيرة تُمسكها أيادٍ صغيرة.





















