السوق البلدي بمنوبة ... قلب نابض بالحياة اليومية والتقاليد التونسية

كانون2/يناير 08, 2026

مع أول خيوط الفجر، يبدأ سوق الخضر والفاكهة بـ منوبة في الاستيقاظ، متحولاً إلى لوحة فنية متحركة. عند المدخل، تصطف العربات الملونة المحملة بالمنتجات الطازجة: الطماطم الحمراء كقطع من الحرير، والخيار الأخضر يلمع تحت أشعة الشمس، بينما البرتقال البلدي يبعث شعورًا بالدفء.بين هذه الألوان، تتناثر الجزر والبطاطا والليمون البلدي، وكل قطعة تبدو وكأنها تدعو المشتري للتوقف والتأمل.

أصوات العربات التي تُسحب على الرصيف تتداخل مع صرخات الباعة التي تشكل موسيقى طبيعية  "تعال شوف الطماطم الطازجة! الفلفل والنعناع اليوم طازج!"برتقال بلدي، أحلى حاجة، يا سيدي!".

يتخلل هذه الأصوات حفيف الأكياس البلاستيكية، وصرير عربات اليدين وهي تُسحب بين الممرات الضيقة. فيما يمتزج عبق الخضار والفواكه مع رائحة القهوة الطازجة القادمة من المقهى الصغير عند المدخل، حيث يجلس بعض الرجال لتبادل أخبار الصباح قبل الانخراط في صخب التسوق .

وجوه تحكي قصص الصمود

رائحة الخضار والفواكه الممتدة عبر الأزقة تصدم الحواس؛ هنا، كل ركن وكل صوت يحمل حياة ويحكي قصة صمود يومي في وجه التقلبات.

في أحد الممرات، يقف رجل مسن، بائع فواكه منذ أكثر من 20 عامًا، ترتسم التجاعيد على وجهه شاهداً على سنوات الكفاح. يقول بابتسامة دافئة: "أنا هنا منذ أكثر من 20 سنة، السوق جزء من حياتي. نتعامل مع الناس بالمعاملة الطيبة، ونضحك معهم رغم كل صعوبات الأسعار التي تتغير يومياً."

على بعد خطوات، تقف سارة، طالبة جامعية تعمل جزئيًا، تمثل وجه الشباب في هذا الفضاء الاقتصادي. تضع الخضار بعناية على عربتها قائلة: "نحاول أن نبرز جمال المنتجات لنشد الزبون. تعلمت أن الابتسامة والكلمة الطيبة تحل الكثير من المشاكل… السوق علّمني الصبر وفن التعامل مع الناس."

روح المساومة ونبض المجتمع

السوق ليس مجرد مكان للتبادل التجاري، بل هو فضاء اجتماعي بامتياز. السيدة نعيمة، زبونة قديمة، تلخص هذا الشعور: "أتي للسوق كل أسبوع، أحب اختيار الخضار بنفسي، وأستمتع بالمساومة أحيانًا، وأحب الحديث مع الباعة… يشعرني أنني جزء من المدينة."

أصوات المساومة تتردد في الهواء في مشهد متكرر: "خمسة دنانير الكيلو؟ البارح كان بثلاثة!" ليرد البائع: "يا ولدي، الجودة أحسن اليوم، والأسعار تتغير كل يوم." هذه الجدالات ليست مجرد نقاش حول السعر، بل هي جزء أصيل من روح السوق التقليدية ونبض الحياة اليومية.

في زاوية أخرى،يمكن سماع أصوات الأطفال وهم يركضون بين العربات يضحكون ويلتقطون بعض الفواكه الساقطة، وكأنهم في لعبة ممتعة وسط صخب الحياة ، ضحكاتهم تختلط برائحة الخبز الطازج من المخبز المجاور، لتخلق أجواء حياة نابضة.

في زاوية صغيرة، صادفت بائعًا شابًا ينادي على زبائنه:تعالوا، الطماطم طازجة، الخيار يلمع من فرط النقاء، والليمون البلدي يفتح النفس!"

ابتسامة الزبائن كانت جوابًا صامتًا على حماسته، وأعطت المشهد حيوية إضافية.

اقتباس من بائع: "السوق صعب، لكن القلب فيه كبير… كل يوم نكتشف قصص جديدة مع الناس، ونحس بروح المدينة في كل زاوية."

الهواء في السوق يحمل رائحة الطازج والميت معاً؛ عبق الأرض الرطبةبعد الري، ورائحة الأعشاب التي يبيعها الباعة على أطراف السوق ، بينما يتسلل الضوء بين الممرات ليضيء وجوه الناس والفواكه، كأن كل شيء يروي حكاية خاصة.

بين ألوان الفواكه، وأصوات الباعة، وحفيف الأكياس، يظل سوق الخضر والفاكهة بمنوبة قلباً نابضاً للمدينة. إنه يجسد صمود الاقتصاد المحلي، وقوة المجتمع، وحياة نابضة رغم صعوبات الغلاء وتقلب الأسواق.

مع انحسار آخر خيوط الشمس ، يخف صخب السوق تدريجياً. يبدأ الباعة بإغلاق أكشاكهم، يحملون معهم يومًا من الكفاح والقصص. السوق هنا ليس مجرد مكان للتجارة، بل مرآة المجتمع التونسي؛ مكان يروي قصص الناس، يختبر صبرهم، ويظهر الأمل رغم كل الصعاب، حيث تتقاطع الحياة الاقتصادية بالاجتماعية والثقافية في لوحة حية تظل أصواتها وروائحها ووجوهها عالقة في ذاكرة المدينة حتى إشراقة فجر جديد.

Rate this item
(0 votes)
« January 2026 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31