بقلم: جيهان غديرة
في الساعة الثانية بعد الظهر، وبينما تجاوزت درجات الحرارة خمسين درجة مئوية في عدد من ولايات الجمهورية، انطفأت أجهزة التكييف فجأة، وتوقفت المراوح، وغرقت منازل ومحلات تجارية في صمت ثقيل لم يقطعه سوى سيل من التدوينات الغاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي.
في لحظات، تحولت الكهرباء من خدمة يعتبرها المواطن أمرًا بديهيًا إلى حاجة أساسية، وأصبح السؤال الذي تردد في كل بيت: " متى سيعود التيار؟ "
ما حدث هذا الصيف لم يكن مجرد انقطاع عابر للكهرباء، بل أزمة وطنية كشفت هشاشة منظومة الطاقة في تونس، وأعادت إلى الواجهة أسئلة مؤجلة منذ سنوات حول جاهزية الشبكة الكهربائية، وقدرتها على مجابهة ذروة الاستهلاك، ومستقبل الأمن الطاقي في البلاد.
حرارة قياسية... وشبكة تحت الضغط
شهدت تونس خلال الأيام الأخيرة موجة حر استثنائية رفعت الطلب على الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة، نتيجة التشغيل المكثف لأجهزة التكييف والتبريد.
وأكدت الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) أن الاستهلاك بلغ ذروة تاريخية تجاوزت قدرة الشبكة على الاستيعاب، ما اضطرها إلى اعتماد القطع الدوري للتيار الكهربائي، المعروف بـ"الدلاستاج"، لتخفيف الضغط وتفادي انهيار شامل للمنظومة الكهربائية.
غير أن هذا التفسير لم يقنع شريحة واسعة من المواطنين، الذين طرحوا سؤالًا مشروعًا: إذا كانت موجات الحر أصبحت ظاهرة متكررة بفعل التغيرات المناخية، فلماذا لم تُطوَّر البنية التحتية الكهربائية بما يضمن مواجهة هذه الظروف الاستثنائية؟
خسائر تتجاوز انقطاع الكهرباء
لم تكن ساعات الظلام مجرد انقطاع مؤقت للتيار الكهربائي، بل كشفت هشاشة قطاعات حيوية تعتمد بشكل كامل على استقرار منظومة الطاقة.
ففي غضون ساعات قليلة، تحولت الثلاجات إلى مخازن للمواد الفاسدة، بعدما أتلفت الحرارة كميات كبيرة من اللحوم والألبان والمثلجات، لتتكبد محلات بيع المواد الغذائية خسائر مباشرة، في ظل غياب آليات واضحة للتعويض.
كما لم يسلم قطاع المطاعم والمقاهي من تداعيات الأزمة، إذ اضطر العديد منها إلى إيقاف نشاطه أو تقليص خدماته، بينما غادر الزبائن بحثًا عن أماكن لا تزال تنعم بالكهرباء. وامتدت التداعيات إلى القطاع الصناعي، حيث توقفت خطوط الإنتاج في عدد من المؤسسات، وتعطلت الآلات، وتأخرت عمليات التصنيع والتسليم .
وهكذا، تحولت أزمة الكهرباء من مجرد خلل فني إلى عامل يهدد الإنتاج والاستثمار، ويقوض ثقة الفاعلين الاقتصاديين في استقرار الخدمات الأساسية.
أما على مستوى البنية التحتية، فقد بدا المشهد أكثر تعقيدًا. تعطلت إشارات المرور في عدد من التقاطعات الحيوية ، في حين انقطعت المياه عن أحياء كاملة بسبب توقف محطات الضخ، لتتحول أزمة الكهرباء إلى أزمة خدمات متشابكة.
لكن الوجه الأكثر قسوة للأزمة كان إنسانيًا وصحيا فالمرضى الذين يعتمدون على أجهزة التنفس الاصطناعي أو الأكسجين المنزلي عاشوا ساعات من الخوف والترقب، بعدما أصبح استمرار علاجهم رهين عودة التيار الكهربائي أو توفر مصدر بديل للطاقة.
وتتجاوز هذه التداعيات مجرد الانقطاع في حد ذاته، لتطرح أسئلة جوهرية: هل كانت البنية التحتية الكهربائية مهيأة لمواجهة ذروة الاستهلاك؟ وهل وُضعت خطط طوارئ لحماية القطاعات الحيوية والفئات الأكثر هشاشة؟ ومن سيتحمل كلفة الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها هذه الانقطاعات؟ إنها أسئلة تجعل من أزمة الكهرباء قضية تمس الأمن الاقتصادي والصحي للمواطنين، أكثر من كونها مجرد اضطراب تقني عابر.
حين تكشف موجة الحر هشاشة المنظومة الكهربائية
يرى عدد من خبراء الطاقة أن ارتفاع درجات الحرارة لم يكن سوى العامل الذي كشف اختلالات هيكلية تراكمت على مدى سنوات، إذ أدى الطلب القياسي على الكهرباء إلى إظهار محدودية قدرة المنظومة على استيعاب فترات الذروة.
ويؤكد هؤلاء أن الأزمة لا ترتبط بعامل ظرفي، بل تعكس تحديات أعمق، في مقدمتها تقادم جزء مهم من شبكة النقل والتوزيع ومحطات الإنتاج، التي لم تواكب بالوتيرة نفسها التوسع العمراني والنمو السكاني والارتفاع المتواصل في الاستهلاك.
كما لا تزال تونس تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء، وهو ما يرفع كلفة الإنتاج ويجعل المنظومة الطاقية رهينة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية وإمدادات الوقود. ويضاف إلى ذلك بطء الانتقال نحو الطاقات المتجددة، إذ ما تزال مساهمتها محدودة مقارنة بالإمكانات الكبيرة التي تزخر بها البلاد في مجالي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وبذلك، تبدو موجة الحر سببًا مباشرًا لتفاقم الأزمة، لكنها ليست أصل المشكلة، بل مجرد اختبار كشف هشاشة منظومة تحتاج إلى إصلاحات واستثمارات استراتيجية لضمان أمن الطاقة واستمرارية الخدمات الأساسية.
ويطرح المختصون جملة من الفرضيات التي تستوجب تحقيقًا جادًا: هل يعود الخلل إلى نقص الإنتاج؟ أم إلى ضعف شبكات النقل والتوزيع؟ أم إلى غياب الصيانة الدورية؟ أم إلى تأخر مشاريع الطاقات المتجددة؟ أم أنه حصاد سنوات من ضعف الاستثمار؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة وحدها كفيلة بتحديد المسؤوليات الحقيقية.
الرئيس يطالب بالمحاسبة
لم تمر الانقطاعات الكهربائية المتكررة دون أن تستأثر باهتمام أعلى هرم السلطة. فقد شدد رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، على أن ما حدث لا ينبغي أن يُختزل في تبريرات تقنية، مؤكدًا ضرورة تحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تقصيره إذا كانت هذه الانقطاعات ناجمة عن سوء تصرف أو إهمال .
وفي هذا السياق، أعلنت السلطات فتح تحقيق للوقوف على الأسباب الحقيقية للأزمة. غير أن قطاعًا واسعًا من الرأي العام يرى أن أي تحقيق جدي يجب ألا يقتصر على تحديد سبب الأعطال الفنية، بل ينبغي أن يمتد إلى تقييم السياسة الطاقية برمتها، ومراجعة خيارات الاستثمار، وخطط الصيانة، ومدى استعداد المنظومة الكهربائية لمواجهة الطلب المتزايد على الطاقة في ظل التغيرات المناخية. فالتحقيق الحقيقي لا يجيب فقط عن سؤال: " لماذا انقطعت الكهرباء؟ " بل يسعى إلى معرفة: " لماذا أصبحت المنظومة عاجزة عن الصمود أمام ذروة الاستهلاك؟ " وهل كان بالإمكان تفادي ما حدث لو توفرت رؤية استباقية واستثمارات كافية في البنية التحتية؟
الكهرباء... من خدمة عمومية إلى ركيزة للأمن القومي
لم تعد الكهرباء في عالم اليوم مجرد خدمة عمومية تقتصر أهميتها على الإنارة أو تشغيل الأجهزة المنزلية، بل أصبحت أحد الأعمدة التي تقوم عليها الدولة الحديثة. فاستمرارية التزويد بالطاقة شرط أساسي لضمان عمل المستشفيات، ومحطات ضخ المياه، وشبكات الاتصالات، والمؤسسات التعليمية، والمنشآت الصناعية، فضلًا عن الاقتصاد الرقمي الذي يعتمد بصورة متزايدة على استقرار الإمدادات الكهربائية.
ومن ثم، فإن أي اضطراب واسع أو متكرر في منظومة الكهرباء لا يقتصر أثره على انقطاع التيار، بل يمتد ليهدد الأمن الغذائي والصحي والاقتصادي، ويؤثر في استمرارية المرافق الحيوية، وثقة المستثمرين، وجودة حياة المواطنين.
ويرى خبراء الطاقة أن أمن التزويد بالكهرباء أصبح جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تجعل موجات الحر أكثر تواترًا وشدة، وما يصاحبها من ارتفاع غير مسبوق في الطلب على الطاقة.
فالتحدي اليوم لا يكمن في إصلاح الأعطال بعد وقوعها، بل في بناء منظومة كهربائية أكثر مرونة وقدرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية.
كيف تتجاوز تونس الأزمة؟
يرى مختصون أن الخروج من دوامة الانقطاعات المتكررة يتطلب الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، من خلال برنامج إصلاحي متكامل يقوم على تحديث شبكات نقل وتوزيع الكهرباء، والاستثمار في محطات إنتاج جديدة أكثر كفاءة، وتسريع إنجاز مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتقليص الاعتماد على الغاز الطبيعي .
كما تبرز الحاجة إلى تشجيع إنتاج الكهرباء من قبل الخواص وربطه بالشبكة الوطنية في إطار قانوني وتنظيمي محفز، إلى جانب تطوير برامج فعالة لترشيد الاستهلاك خلال فترات الذروة، ووضع خطة وطنية استباقية للتكيف مع التغيرات المناخية وموجات الحر المتكررة .
استمرار الوضع الحالي دون إصلاحات هيكلية سيجعل الانقطاعات الاستثنائية تتحول تدريجيًا إلى واقع متكرر، بما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية واجتماعية متزايدة .
قد يكون انقطاع الكهرباء لساعتين أو ثلاث احتمالًا مقبولًا في ظرف استثنائي، لكنه يتحول إلى مصدر قلق حقيقي عندما يصبح مشهدًا يتكرر مع كل صيف .
فالمواطن لا يطالب بالمستحيل، بل ينتظر خدمة عمومية مستقرة، وإدارة شفافة للأزمات، ورؤية واضحة تضمن عدم تكرار ما حدث. فالكهرباء لم تعد مجرد مصباح يُضاء أو جهاز تكييف يعمل، بل أصبحت عصب الحياة اليومية، وأحد مقومات الأمن الاقتصادي والاجتماعي للدولة.
واليوم، لم يعد السؤال المطروح هو متى سيعود التيار الكهربائي، بل: " هل تمتلك تونس الإرادة والاستراتيجية اللازمتين لبناء منظومة طاقية أكثر صلابة، أم أن كل صيف سيحمل معه الأزمة ذاتها في انتظار موجة حر جديدة؟"