بقلم : جيهان غديرة
دخلت آلية التمويلات الصغرى "على الشرف" حيّز التنفيذ في تونس بصدور الأمر عدد 148 لسنة 2026 المؤرخ في 23 جويلية 2026، بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية ، والذي يضبط شروط وإجراءات إسناد هذه التمويلات، تطبيقاً لأحكام الفصل 412 ثالثاً من المجلة التجارية كما تم تنقيحها بالقانون عدد 41 لسنة 2024
ويمثل هذا الأمر خطوة تشريعية جديدة تهدف إلى تسهيل النفاذ إلى التمويل لفائدة الأفراد والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية، غير أن نجاحه يبقى مرتبطاً بمدى التزام القطاع البنكي بتطبيق مقتضياته على أرض الواقع.
هل هو قرض أم منحة؟
على خلاف ما يعتقده البعض، لا تُعد قروض الشرف منحًا مالية أو مساعدات مجانية، بل هي تمويلات واجبة السداد تُمنح وفق شروط ميسّرة حددها القانون، وتتميز بكونها دون فوائد ودون اشتراط تقديم رهن أو كفيل.
وحدد الأمر الحكومي سقوف الانتفاع بهذه الآلية حسب طبيعة المستفيدين، حيث يمكن للأشخاص الطبيعيين الراغبين في تمويل حاجيات استهلاكية الحصول على قرض يصل إلى 5 آلاف دينار، في حين يستفيد أصحاب المشاريع الصغرى التي لا تتجاوز قيمة استثماراتها 150 ألف دينار من تمويل يصل إلى 10 آلاف دينار. أما المؤسسات الاقتصادية الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية التي تتراوح قيمة استثماراتها بين 150 ألف دينار و15 مليون دينار، فقد حُدد سقف التمويل المخصص لها في حدود 25 ألف دينار.
ولضمان سرعة معالجة المطالب، ألزم الأمر المؤسسات البنكية بالرد على طلبات التمويل في أجل لا يتجاوز 10 أيام عمل مصرفية من تاريخ إيداع الملف، سواء بالموافقة أو بالرفض، على أن يكون قرار الرفض معللًا كتابيًا، بما يضمن شفافية الإجراءات وتمكين طالب التمويل من معرفة أسباب عدم قبول مطلبه. كما يُحظر على البنوك اشتراط فوائد أو رهون أو كفلاء، أو فرض أي معاليم أو عمولات مرتبطة بدراسة ملفات التمويل.
أما بخصوص آجال السداد، فينص الأمر الحكومي على إرجاع التمويل في مدة أقصاها سنتان، مع إمكانية التمتع بفترة إمهال تصل إلى ستة أشهر وفق الشروط والإجراءات القانونية المعمول بها. وتندرج هذه الآلية ضمن توجه يهدف إلى دعم المبادرات الفردية والمؤسسات الصغرى، وتسهيل النفاذ إلى التمويل بشروط استثنائية.
البنوك ملزمة بتخصيص جزء من أرباحها
لا يقتصر الأمر عدد 148 لسنة 2026 على تحديد شروط الانتفاع بقروض الشرف، بل يرتب أيضًا التزامات مالية مباشرة على المؤسسات البنكية. إذ ينص الفصل 412 ثالثًا من المجلة التجارية على إلزام كل بنك بتخصيص اعتمادات لا تقل عن 8% من أرباح السنة المحاسبية السابقة لإنشاء خط التمويل على الشرف لضمان موارد مالية قارة لتمويل هذا الخط.
وبالاستناد إلى النتائج المالية المنشورة لعدد من البنوك التونسية عن سنة 2025، تُقدَّر قيمة الاعتمادات التي يفترض رصدها لخط التمويل على الشرف بنحو 129 مليون دينار، وهو مبلغ يعكس حجم الموارد التي يفترض أن يضعها القطاع البنكي على ذمة هذه الآلية تطبيقًا لأحكام القانون.
غير أن هذه القيمة تبقى تقديرية، في انتظار إعلان كل مؤسسة بنكية رسميًا عن حجم الاعتمادات التي خصصتها فعليًا، إلى جانب نشر معطيات تتعلق بعدد الملفات المقبولة، وقيمة التمويلات المسندة، ومدى تقدم تنفيذ هذا البرنامج على أرض الواقع.
رفض البنك للتمويل.. متى يكون قانونيًا؟ ومتى يحق للمواطن الاعتراض؟
يفرق المختصون في القانون البنكي بين حق المؤسسة البنكية في رفض مطلب التمويل لأسباب قانونية وموضوعية، وبين الامتناع عن تطبيق أحكام التشريع المنظم لقروض الشرف.
ففي الحالة الأولى، يحق للبنك رفض مطلب التمويل إذا تبين، بعد دراسة الملف، عدم استيفاء الشروط القانونية أو وجود أسباب موضوعية تتعلق بقدرة طالب التمويل على السداد، على أن يكون قرار الرفض معللًا كتابيًا وفق ما يقتضيه الأمر عدد 148 لسنة 2026.
أما في الحالة الثانية، فإذا امتنع البنك عن قبول مطالب التمويل، أو ادعى عدم تفعيل الآلية، أو اشترط فوائد أو رهونًا أو كفيلًا أو معاليم لدراسة الملف خلافًا لما ينص عليه القانون، فإن لطالب التمويل جملة من الوسائل القانونية للدفاع عن حقه.
وتبدأ هذه الإجراءات بإيداع مطلب التمويل مقابل وصل استلام أو بأي وسيلة تثبت تاريخ الإيداع، ثم توجيه تظلم كتابي إلى الإدارة العامة للبنك إذا رفض الفرع قبول الملف أو لم يقدم ردًا معللًا في الآجال القانونية. وفي حال استمرار الإشكال، يمكن رفع شكاية إلى البنك المركزي التونسي ووزارة المالية، لطلب التثبت من مدى التزام المؤسسة البنكية بتطبيق أحكام التشريع واتخاذ ما تراه الجهات المختصة مناسبًا في حدود صلاحياتها.
بين النص والتطبيق
يمثل نظام التمويلات "على الشرف" إحدى الآليات الجديدة الرامية إلى تسهيل النفاذ إلى التمويل ودعم المبادرات الاقتصادية، خاصة لفائدة أصحاب المشاريع الصغرى والمؤسسات الاقتصادية الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية.
غير أن نجاح هذه التجربة لن يُقاس بصدور النصوص القانونية فقط، بل بمدى انتقالها من الإطار التشريعي إلى التطبيق الفعلي على أرض الواقع. فالتحدي الحقيقي يكمن في التزام المؤسسات البنكية بتفعيل هذه الآلية، واحترام الشروط والإجراءات التي أقرها القانون، إلى جانب اضطلاع الجهات الرقابية بدورها في المتابعة والتثبت من حسن التنفيذ.
وبين طموح توفير تمويل ميسر للفئات الباحثة عن فرص اقتصادية، وضرورة ضمان تطبيق القواعد القانونية بشفافية، يبقى مستقبل قروض الشرف مرتبطًا بقدرة مختلف المتدخلين على تحويل هذا الإجراء من نص قانوني إلى أداة فعلية لدعم الاستثمار وتحريك الدورة الاقتصادية.