بقلم: جيهان غديرة
في الثالث عشر من أوت، تحتفل تونس بالمرأة. تتزيّن الصفحات بصورها، وتتسابق المؤسسات والأحزاب والجمعيات إلى نشر عبارات التهنئة، وتعلو الخطابات التي تستحضر نضالات المرأة التونسية ومكاسبها التاريخية، من مجلة الأحوال الشخصية إلى حضورها في التعليم والعمل والحياة العامة
لكن ماذا يحدث في اليوم التالي؟ ماذا يبقى للمرأة التونسية بعد أن تنطفئ شموع الاحتفال، وتنتهي المنشورات، وتغادر الكاميرات الميدان؟
تبقى الحقيقة ... والحقيقة أن تونس، رغم ما حققته من مكاسب تشريعية ورغم الصورة المتقدمة التي تحظى بها إقليميًا في مجال حقوق المرأة، مازالت أمامها مسافة طويلة بين النص والواقع.
امرأة متعلمة... لكن فرصها أقل
تتجلى المفارقة التونسية بمرارة في قطاع التعليم: فقد تفوقت النساء في التعليم العالي، وحققن نسبة حضور عالية بين خريجي الجامعات ، بما في ذلك اختصاصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ، لكن هذا التفوق العلمي لا يتحول بالضرورة إلى استقلال اقتصادي أو حضور متكافئ في سوق الشغل.
وتشير بيانات البنك الدولي لسنة 2025 إلى أن نسبة مشاركة النساء في قوة العمل لا تتجاوز 26.5%، مقابل 64.9% للرجال .
أما البطالة، فتظل أثقل على النساء، وتزداد قسوة لدى الشابات. ووفق بيانات الأمم المتحدة ، تبلغ نسبة البطالة لدى النساء حوالي 21.3% مقابل 13.6% لدى الرجال، وترتفع بشكل حاد بين الشابات .
فأي احتفال بالمرأة يمكن أن يكون كاملًا، إذا كانت الشهادة الجامعية لا تضمن لها فرصة عمل، والعمل لا يضمن لها أجرًا عادلًا، والاستقلال الاقتصادي لا يزال حلمًا بالنسبة إلى كثيرات؟
المرأة الريفية... الوجه المنسي
بعيدًا عن تونس العاصمة والمدن الكبرى، توجد امرأة أخرى نادرًا ما تلتفت إليها الكاميرات الرسمية.
امرأة تعمل في الحقول والضيعات، وتحمل أعباء الأسرة والعمل معًا، وتقطع المسافات بحثًا عن النقل أو الصحة أو الخدمات الأساسية، وأحيانًا عن الماء.
المرأة الريفية ليست مجرد رقم في برامج المساعدات الاجتماعية، بل هي قوة اقتصادية حقيقية، تكابد في ظروف هشة ويتركز جزء مهم من نشاطها داخل الاقتصاد غير المنظم، بما يضاعف هشاشتها ويحد من استفادتها من الحماية الاجتماعية.
هذه المرأة لا تحتاج إلى يوم احتفالي فقط ... بل تحتاج إلى نقل آمن، وتغطية اجتماعية، وأجر يحفظ كرامتها، وحماية من الاستغلال، وماء وصحة وتعليم وخدمات قريبة من مكان إقامتها.
عندما يصبح الوصول إلى الطبيب امتيازًا
من أكثر الاختبارات قسوة لأي سياسة اجتماعية: ماذا يحدث للمرأة عندما تمرض؟ وماذا يحدث لها عندما تحمل؟
في المناطق الداخلية والريفية، لا تزال المسافة الفاصلة بين المرأة والخدمات الصحية الأساسية عائقًا حقيقيًا، بالنسبة إلى عدد من النساء، خاصة عندما يتعلق الأمر بالصحة الإنجابية ورعاية الحمل والولادة.
فالمرأة التي تضطر إلى قطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى مستشفى، أو تبحث عن وسيلة نقل في حالة صحية طارئة، لا تحتاج إلى خطابات التمكين بقدر حاجتها إلى مرفق صحي قريب، آمن، ومحترم.
فالحق في الصحة ليس هبة... إنه حق أساسي من حقوق المواطنة.
تعمل خارج البيت... وتعمل أكثر داخله
هناك أيضًا جانب آخر من الشقاء لا تقيسه الأرقام ، فالمرأة التي تعمل خارج المنزل ثم تعود لتطهو وتُنظف وتعتني بالأطفال وكبار السن ، وتتابع دراسة أبنائها، وتدير شؤون الأسرة.
إنه جهد شاق يستغرق يومًا كاملًا، لكنه يتوارى دون أجر أو اعتراف. لذا، فإن الحديث عن التمكين الحقيقي لا يمكن ان يتوقف عند إدماج المرأة في سوق العمل فحسب، بل يتطلب إعادة توزيع أعباء الرعاية داخل الأسرة والمجتمع ، وتوفير دور حضانة عمومية، نقل آمن، خدمات دعم تمنع تحول المرأة إلى آلة استنزاف دائمة.
العنف... حين لا تكفي القوانين وحدها
كانت تونس سباقة تشريعيًا في مكافحة العنف ضد النساء، خاصة مع المصادقة على القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، وهو إطار قانوني مهم اعتمد مقاربة شاملة للوقاية والحماية والمساءلة.
لكن النص القانوني لا يعني نهاية المعاناة ، فالمرأة المعنفة لا يكفيها قانون منشور في الجريدة الرسمية. إنها تحتاج إلى مركز إنصات قريب، إيواء عند الضرورة، حماية فعلية، مرافقة نفسية واجتماعية وقانونية، قضاء ناجز ، ومجتمع لا يسأل الضحية: " ماذا فعلتِ حتى يحدث لك هذا؟ " بل: " كيف نحميكِ؟ وكيف نضمن ألا يتكرر ما حدث لك؟ "
المشاركة السياسية... من الديكور إلى القرار
لا يستقيم الحديث عن تمكين المرأة بمعزل عن مشاركتها في صناعة القرار. فالمرأة ليست مجرد صوت انتخابي، ولا صورة تُستعمل لتجميل القائمات الانتخابية، بل هي مواطنة شريكة لها الحق في أن تكون في البرلمان، في المجالس المحلية، في مواقع القرار، في إدارة المؤسسات، وفي صياغة السياسات العمومية التي تؤثر مباشرة في حياتها.
لكن حضور المرأة في مواقع القرار يظل بحاجة إلى مراجعة حقيقية، لأن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تكون مجرد أرقام ظرفية، بل حضورًا فعليًا قادرًا على التأثير وصناعة السياسات.
فالمرأة لا يجب أن تكون في الصورة فقط... بل يجب أن تكون في مكان صناعة القرار.
لا نريد وردة... نريد دولة ترى المرأة
في الثالث عشر من أوت، لا تحتاج المرأة التونسية إلى مزيد من الإشادات الشفهية ولا إلى شعارات تتكرر كل عام من قبيل «أنتِ نصف المجتمع». ما تحتاجه هو مواطنة كاملة وملموسة ، تتحول فيها الحقوق من نصوص وشعارات إلى واقع تعيشه كل يوم.
تحتاج إلى مدرسة جيدة لابنتها، ومستشفى يحفظ كرامتها ، ويوفر لها الرعاية الصحية اللازمة، خصوصًا أثناء الحمل والولادة.
تريد ألا تصبح المسافة بين منزلها والمستشفى خطرًا يهدد حياتها، وألا يكون نقص التجهيزات أو الأسرة أو الإطار الطبي سببًا إضافيًا لمعاناتها.
تريد عملًا لائقًا وأجرًا عادلًا، وظروفًا مهنية تحميها من الاستغلال والتمييز، ولا تجعل الأمومة عقوبة تدفع ثمنها من مسارها المهني ومستقبلها الاقتصادي.
تريد نقلًا آمنًا، حماية اجتماعية ، حماية حقيقية من الفقر والاستغلال والعنف، وقضاء ينصفها عندما تتعرض للانتهاك أو التمييز، بدل أن تتحول القوانين إلى نصوص جميلة لا تجد طريقها دائمًا إلى التطبيق.
وتريد، قبل كل شيء، دولة ترى المرأة في كل مكان، في العاصمة كما في الأحياء الشعبية، في المدن كما في القرى والدواشر، وفي المناطق الساحلية كما في الجهات الداخلية.
دولة لا تصل برامجها إلى المرأة فقط عندما تكون الأضواء مسلطة عليها، ثم تختفي عندما تنتهي المناسبات.
فالمرأة التونسية لا تطلب امتيازًا. هي تطلب حقها في أن تعيش بكرامة.
وفي عيدها، ربما تكون أفضل هدية ليست وردة ولا منشور تهنئة، بل دولة تنصت إليها، تحميها، تنصفها، وتوفر لها فرصًا حقيقية لصناعة حياتها ومستقبل أبنائها.
لا نريد وردة في الثالث عشر من أوت... نريد دولة ترى المرأة في الثالث عشر من أوت، وفي الرابع عشر منه، وفي كل يوم.
عيد المرأة... محطة للمحاسبة الوطنية
الاحتفال بالمرأة التونسية ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو واجب واعتراف بتاريخ طويل من النضالات والمكاسب التي جعلت منها نموذجًا عربيًا في عدد من المجالات.
لكن الاحتفال الحقيقي بالمرأة لا يكتمل بالتهاني والشعارات، بل يبدأ حين نمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة ومواجهة الواقع كما هو.
كم امرأة مازالت بلا عمل أو حماية اجتماعية؟ كم فتاة جامعية تحمل شهادتها وتنتظر فرصة ؟ كم عاملة ريفية مازالت تُنقل في ظروف لا تحفظ سلامتها وكرامتها؟ وكم امرأة تعاني العنف في صمت لأنها لم تجد مأوى أو حماية كافية؟ وكم أمًا تضطر إلى مواجهة المرض ونقص الخدمات وبعد المستشفيات؟ وكم امرأة مازالت بعيدة عن مواقع القرار وصناعة السياسات؟ والأهم، كم من البرامج والسياسات بقيت حبرًا على ورق ولم تتحول إلى واقع يلمسه الناس؟
هذه الأسئلة ليست محاولة لإفساد الاحتفال، بل هي جوهره الحقيقي ، لأن تكريم المرأة لا يكون بتذكرها يومًا واحدًا في السنة ثم نسيانها في بقية الأيام، وإنما بضمان حقوقها وحمايتها وتمكينها على مدار السنة.
فالمرأة التي نرفع صورتها اليوم في المنشورات، ونغدق عليها عبارات التهنئة، هي نفسها التي يجب أن نراها غدًا حاضرة في الميزانيات والسياسات العمومية، في المستشفيات ومواقع الإنتاج، وفي مراكز القرار وصناعة المستقبل.
لا نريد وردة في الثالث عشر من أوت... نريد دولة ترى المرأة في الثالث عشر من أوت، وفي الرابع عشر منه، وفي كل يوم.
في عيد المرأة، لا يكفي أن نحتفل بما بما أنجزناه، ولكن علينا أيضًا أن نحاسب أنفسنا على ما لم ننجزه .
فالمرأة التونسية لا تحتاج إلى مزيد من الوعود، بقدر ما تحتاج إلى حقوق تُنفّذ، وسياسات تُطبّق، ودولة ترى كرامتها أولوية في كل يوم من أيام السنة.
كل عام والمرأة التونسية بخير... وكل عام وهي أقرب إلى حقوقها المشروعة، لا إلى مزيد من الوعود.