القانون عدد 9 لسنة 2025 بالرائد الرسمي: تنظيم عقود الشغل ومنع المناولة في تونس
القانون عدد 9 لسنة 2025 بالرائد الرسمي: تنظيم عقود الشغل ومنع المناولة في تونس

القانون عدد 9 لسنة 2025... من أنقذ آلافا وشرد آلافا؟

كتبت : جيهان غديرة

جاء "القانون عدد 9 لسنة 2025" ليصنع تاريخا جديدا للشغالين في تونس، معلنا نهاية عصر "المناولة" والعمل الهش. رحب به  العمال  ووصفت الحكومة أهدافه بـ "الاستراتيجية"، لكن خلف زغاريد الترسيم الآلي لآلاف العمال، وراء الأبواب المغلقة للإدارات العمومية، كان هناك ثمن باهظ تدفعه فئة أخرى.

 ثغرة قانونية قاتلة وغياب للمناشير التطبيقية حولا هذا "الانتصار التاريخي" إلى كابوس يطارد مئات الموظفين بعقود. هنا قصص من وُعدوا بالطمأنينة فوجدوا أنفسهم في الشارع.

طرد أصفر ينهي 4 سنوات من الأمل

في مكتب صغير بدائرة الساحل، لا تزال بطاقة العمل المهنية الخاصة بـ "سارة" معلقة فوق الطاولة؛ تبدو في الصورة وهي تبتسم، وتحتها تاريخ  : 2022منذ ذلك التاريخ، كانت تجدد "العقد" سنويا ، وتواسي نفسها مع كل تجديد بالقول: "هذه آخر مرة، وفي المرة القادمة سيكون الترسيم

وفي يوم 21 ماي 2025، استبشرت خيرا حين سمعت عبر الراديو خبر صدور القانون المتعلق بإنهاء التشغيل الهش وإقرار الترسيم. قالت في سرها: "أخيرا انتهى الكابوس".

لكن بعد نحو شهر ونصف، وتحديدا في 4 جويلية، تفتح سارة.م (29 سنة)، الحاصلة على الأستاذية في القانون والمنحدرة من عائلة بسيطة بالمنستير، ظرفا إداريا أصفر بفرائص مرتعدة. لم يحوِ الظرف قرار التسوية الذي انتظرته طويلاً، بل خُطّت فيه عبارة جافة لم تتجاوز السطري

"" تقرر إيقافكم عن العمل ابتداءً من تاريخ 4 جويلية 2025 ... "

أربع سنوات من الدراسة على أمل الحصول على "وظيفة قارة"، تلتها أربع سنوات أخرى من العمل بنظام الساعة والعيش تحت وطأة الخوف وعدم الاستقرار... لينتهي بها المطاف أخيرا أمام قرار مفاجئ بالاستغناء.

بين الوعود والواقع الإداري

قبل هذا البلاغ بأربعة أيام فقط، كانت سارة تمارس مهامها بشكل طبيعي. ورغم انتهاء عقدها المحدّد المدة في 30 جوان، استمرت في العمل أيام 1 و2 و3 جويلية بناءا على تعليمات رئيسها المباشر الذي قال لها  "واصلي عملك بشكل عادي في انتظار المنشور التطبيقي. تقول سارة بنبرة يمتزج فيها الذهول بالمرارة:

"قالوا لنا انتظروا المنشور التطبيقي.. لم يخبرني أحد أن الاستغناء سيكون هو النتيجة! القانون الذي اعتقدنا أنه جاء ليرسمنا ويحمي كرامتنا، كان هو نفسه السبب في إلقائنا خارج الإدارة بعد أربع سنوات من الأقدمية."

الإطار التشريعي: ثورة في النصوص وآمال أجهضها الواقع

في 21 ماي 2025، صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية القانون عدد 9 لسنة 2025 المتعلق بتنظيم عقود الشغل ومنع المناولة، في خطوة اعتُبرت من أبرز الإصلاحات الاستراتيجية للحد من التشغيل الهش وتعزيز ضمانات العمل اللائق .

أحدث القانون تحولاً جوهريا ، إذ حصر اللجوء إلى العقود محددة المدة في حالات استثنائية محددة على سبيل الحصر، تتمثل في الزيادة غير العادية في حجم النشاط، أو التعويض الوقتي لأجير قار، أو الأشغال الموسمية، أو الأنشطة التي لا تسمح طبيعتها، بحسب العرف أو طبيعة العمل، بإبرام عقود غير محددة المدة. كما أوجب أن يكون العقد محدد المدة مكتوباً وأن يتضمن صراحة مدته وسبب اللجوء إلى الاستثناء، وإلا اعتُبر قانوناً عقداً غير محدد المدة.

ولم يكتفِ المشرّع بضبط العقود المستقبلية، بل منح القانون أثراً رجعيا شمل العقود السارية أو المنتهية بعد 14 مارس 2025، مِقرّاً تحويلها بقوة القانون إلى عقود غير محددة المدة مع احتساب الأقدمية المكتسبة، بشرط انتظام العلاقة الشغلية. كما حظر القانون إخضاع المتعاقدين لفترات تجربة جديدة، ونصّ على أن مواصلة الأجير لعمله بعد انتهاء عقده تعني تحوّله آليا إلى الترسيم.

وفي الإطار نفسه، منع القانون إخضاع الأجراء المتعاقدين بعقود محددة المدة لفترة تجربة، ونصّ على أن الأجير الذي يواصل تقديم خدماته بعد انتهاء مدة العقد يتحول عقده آلياً إلى عقد غير محدد المدة، مع احتفاظه بكامل أقدميته ودون إخضاعه لفترة تجربة جديدة، في حين أبقى على فترات التجربة الواردة بالعقود المبرمة قبل دخول القانون حيز النفاذ إذا كانت لا تزال جارية.

كما كرس مبدأ المساواة بين الأجراء المتعاقدين بعقود محددة المدة والأجراء القارين في الحقوق والامتيازات والضمانات، ومنحهم أولوية الانتداب في مواطن الشغل القارة لدى نفس المؤجر.

ولم تقتصر أحكام القانون على تنظيم العقود، بل شملت أيضاً مكافحة المناولة، حيث نص الفصل الثامن على الترسيم الآلي لأعوان المناولة وأعوان المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية والفلاحية وفق الشروط القانونية، فيما ألزم الفصل السابع عشر المؤسسات بتسوية الوضعيات الإدارية وتمكين الأجراء من الوثائق التي تثبت وضعيتهم القانونية الجديدة.

 وقد استُقبل القانون بترحيب واسع من قبل الطبقة الشغيلة ، بينما اعتبرته الحكومة و " إصلاحا هيكليا يعيد للعمل كرامته " ، غير أن هذه الترسانة التشريعية التي وُلدت لتعيد الطمأنينة لآلاف العاملين، اصطدمت بآليات تطبيق إدارية جافة تحولت معها "الضمانات القانونية" إلى سبب مباشر للاستغناء عن المتعاقدين قبل شمولهم بالترسيم.

بين النص والتطبيق... عندما اصطدم القانون بالفراغ التنفيذي

لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن مئات الأعوان. فسرعان ما تحولت الآمال التي علّقها آلاف العاملين على القانون عدد 9 لسنة 2025 إلى حالة من الغموض والقلق، بعدما واجه تطبيقه داخل جزء واسع من القطاع العام إشكالات عملية وقانونية. وفي ظل غياب النصوص الترتيبية التي توضح آليات التنفيذ، تعددت التأويلات بين الإدارات، خاصة فيما يتعلق بوضعية الأعوان العاملين بالمؤسسات الإدارية العمومية.

وجدت إدارات الموارد البشرية نفسها أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة، قيّد القانون اللجوء إلى العقود محددة المدة وحصرها في حالات استثنائية، ومن جهة أخرى لم يضع آلية صريحة لتسوية وضعية الأعوان العاملين بالمؤسسات الإدارية، في ظل غياب اعتمادات مالية أو شغورات وظيفية مرخّص بها.

وأمام هذا الفراغ التنفيذي، اتجهت عديد الإدارات إلى إنهاء العلاقة الشغلية مع الأعوان بمجرد انتهاء عقودهم، معتبرة أن ذلك يمثل الخيار الأقل عرضة للمساءلة القانونية.

ولم تكن حالة "سارة" سوى نموذج من بين عشرات الحالات المشابهة. فوفق معطيات ميدانية جمعتها صحيفة التحقيق من ثلاث تفقديات شغل بولايات الساحل والوسط، تم تسجيل إيقاف ما لا يقل عن 300 عون كانوا يشتغلون بعقود داخل مؤسسات إدارية عمومية بين شهري جوان وأوت 2025، وكان التعليل الإداري الأكثر ورودًا في قرارات الإيقاف هو " زيادة غير العادية في حجم النشاط "

شهادات من الميدان... عندما تحوّل حلم الترسيم إلى انتظار للإنصاف

تكشف الشهادات الميدانية التي جمعتها صحيفة التحقيق عن الوجه الإنساني للأزمة، حيث تحوّل قانون كان يُفترض أن يحقق الاستقرار المهني إلى مصدر قلق وعدم يقين بالنسبة لعدد من الأعوان. تقول سارة.م، المتحصلة على الأستاذية في القانون، والتي كانت تعمل بإحدى المنشآت العمومية الجهوية بالمنستير: "واصلت العمل ثلاثة أيام بعد انتهاء عقدي، وكنت أعتقد أن الفصل السادس يمنحني الحق في عقد شغل غير محدد المدة. لكنني فوجئت بإنهاء عملي دون أي وثيقة تثبت وضعيتي الجديدة. أربع سنوات من العمل انتهت في لحظة."

أما أمين.ع، وهو مهندس فلاحي كان يعمل بإحدى المؤسسات العمومية  بسوسة، فيروي أنه أمضى ست سنوات بعقود تُجدَّد سنوياً قبل أن يُبلَّغ بإنهاء عمله يوم 15 جويلية 2025، مضيفاً: "تفقدية الشغل أكدت لي أن بإمكاني اللجوء إلى القضاء، لكن التقاضي قد يستغرق سنتين أو أكثر... فكيف سأعيش إلى حين صدور الحكم؟"

وفي المقابل، يقدّم أحد مديري الموارد البشرية بإحدى المؤسسات العمومية الإدارية، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، رواية مختلفة، إذ يؤكد أن الإدارات وجدت نفسها أمام وضعية قانونية وإدارية معقدة، قائلاً: " لسنا ضد الأعوان، لكننا لا نملك اعتمادات مالية للترسيم ولا إطاراً قانونياً واضحاً للانتداب. وجدنا أنفسنا أمام خيارات محدودة، وكان علينا اتخاذ القرار الذي اعتبرناه أقل مخاطرة بالنسبة للمؤسسة."

وتعكس هذه الشهادات تبايناً واضحاً في قراءة القانون بين الأعوان والإدارات، كما تبرز أن جوهر الإشكال لم يعد مقتصراً على النص القانوني في حد ذاته، وإنما على غياب آليات واضحة وموحدة لتطبيقه، وهو ما جعل كلفة هذا الجدل القانوني والإداري يتحملها الأعوان الذين وجدوا أنفسهم، في نهاية المطاف، خارج مواطن شغلهم.

القانون واضح... لكن التنفيذ يفتح باب التأويلات

تكشف القراءات الصادرة عن أهل الاختصاص أن الإشكال المرتبط بالقانون عدد 9 لسنة 2025 لا يتعلق فقط بأهدافه الرامية إلى الحد من التشغيل الهش، وإنما يمتد أيضاً إلى كيفية تنزيل أحكامه داخل واقع إداري وقانوني معقد.

 فبينما يرى عدد من المختصين أن النص جاء واضحاً في حماية الأجراء، تكشف الممارسة اليومية عن صعوبات في توحيد آليات تطبيقه بين مختلف الإدارات.

أكد مصدر مسؤول بتفقدية الشغل بالمنستير أن مواصلة العامل لنشاطه بعد انقضاء مدة العقد، ولو ليوم واحد فقط، مع علم الإدارة بذلك، يمكن أن تُعدّ استمراراً للعلاقة الشغلية على أساس عقد غير محدد المدة وفقاً لأحكام الفصل السادس. وبناءً على هذا التفسير، فإن إنهاء العلاقة الشغلية بعد مواصلة العامل أداء مهامه قد يطرح قانونياً مسألة الفسخ غير المبرر وما يترتب عنه من حقوق وتعويضات.

 غير أن المصدر أشار إلى أن غياب منشور تطبيقي واضح وموجه من وزارة الشؤون الاجتماعية ساهم في خلق حالة من التباين في فهم آليات التنفيذ، مما دفع بعض الإدارات إلى اعتماد تأويلات مختلفة لأحكام القانون.

من جهته، يرى أستاذ في قانون الشغل أن القانون عدد 9 لسنة 2025 يمثل خطوة مهمة في اتجاه الحد من التشغيل الهش، لكنه واجه صعوبات إجرائية وهيكلية عند التطبيق. ويعتبر أن النص ركّز بدرجة كبيرة على معالجة إشكالية المناولة والعقود الهشة في القطاع الخاص والمؤسسات الاقتصادية، دون أن يولي الاهتمام الكافي لخصوصية الإدارة العمومية، من حيث طبيعة الانتدابات، والقيود الميزانياتية، والإطار القانوني المنظم للأعوان.

وحسب هذا التحليل، فإن غياب آليات تنفيذية أكثر وضوحاً أدى إلى ظهور آثار جانبية غير مقصودة؛ فبدل أن تكون المرحلة الانتقالية جسراً نحو استقرار مهني أكبر، وجد عدد من الأعوان أنفسهم أمام وضعيات جديدة من عدم اليقين، في انتظار حسم الجدل القانوني والتنظيمي حول كيفية تطبيق أحكام القانون.

صمت حكومي وتحرك عمالي... مطالب بتوضيح المسار وتسوية الوضعيات

أمام حالة الغموض والارتباك التي رافقت تنزيل أحكام القانون عدد 9 لسنة 2025، تحرّك مئات الأعوان المتضررين للمطالبة بتوضيح الإجراءات التنفيذية، وضمان ألا يتحول هذا الإصلاح التشريعي، الذي جاء بهدف إنهاء أشكال التشغيل الهش، إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار المهني وفقدان مواطن الشغل.

وأكد ممثلو الحراك العمالي  أنه لا يمكن القبول بأن يُبنى الاستقرار المهني لفئة من الشغالين على حساب تسريح فئة أخرى، مطالبين السلطات المعنية بالإسراع في إصدار منشور توضيحي من رئاسة الحكومة يضع حداً لاختلاف التأويلات الإدارية، إلى جانب عقد جلسة عمل وطنية تجمع مختلف الأطراف الاجتماعية والوزارات المعنية للنظر في وضعيات الأعوان الموقوفين عن العمل، وإيجاد حلول قانونية تحفظ حقوقهم المكتسبة .

في المقابل، ظل الموقف الرسمي غير واضح إلى حدود إغلاق هذا التحقيق؛ إذ لم تتلقَّ صحيفة التحقيق أي ردّ على المراسلات الرسمية الموجهة إلى وزارة الشؤون الاجتماعية لطلب توضيحات بشأن مصير العمال الموقوفين عن العمل، كما لم يصدر، وفق المعطيات المتوفرة، أي منشور تطبيقي رسمي يحدد آليات تنفيذ أحكام القانون داخل المؤسسات والمنشآت العمومية.

هذا الغياب للتوضيحات الرسمية أبقى مئات الأعوان والإدارات في منطقة رمادية، معلّقة بين صراحة النص التشريعي وصعوبات التنفيذ، في انتظار حسم مؤسسات الدولة في كيفية تنزيل القانون عدد 9 لسنة 2025 على أرض الواقع.

لقد أنصف القانون عدد 9 لسنة 2025 آلاف العمال، خاصة أعوان المناولة والعاملين بالمؤسسات الاقتصادية والدواوين، ومنح فئات واسعة منهم فرصة للاستقرار المهني بعد سنوات من العمل الهش. غير أن هذا التحول التشريعي ترك في المقابل أسئلة معلّقة لدى عدد من أعوان الإدارات العمومية الذين وجدوا أنفسهم خارج دائرة الانتفاع بأحكامه، في ظل غياب توضيحات حاسمة حول آليات التطبيق.

تقف "سارة" اليوم بلا عمل، تحمل شهادتها الجامعية المعلقة على جدار بيتها، بينما يواصل ملف قضيتها مساره أمام القضاء. تختصر تجربتها إحساس عدد من الأعوان الذين اعتبروا أن الإشكال لم يكن في مبدأ إصلاح سوق الشغل، وإنما في الطريقة التي نُفّذ بها هذا الإصلاح.

وتقول سارة بصوت تخنقه العبرة: "أنا لا أستهدف القانون ولا أكرهه... أنا أرفض العشوائية التي طُبّق بها. كان بإمكانهم أن يقولوا لنا منذ البداية إننا خارج نطاق هذا النص، بدل أن يمنحونا أملاً في الاستقرار لثلاثة أيام، ثم تنتهي القصة بقرار إنهاء العمل."

ويبقى السؤال الذي يطرحه هذا الملف: هل نجح القانون عدد 9 لسنة 2025 في تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في القضاء على العمل الهش، أم أن صعوبات التطبيق خلقت شكلاً جديداً من الهشاشة داخل جزء من الإدارة العمومية؟

Related Articles