بقلم: جيهان غديرة
لم يكد الحبر الذي كُتبت به اتفاقيات التهدئة المؤقتة في المنطقة يجف، حتى عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليرسم حدود اللعبة من جديد بـ"قلم عسكري" شديد الوضوح.
هذه المرة، لم يكن التهديد الأميركي مغلفاً بالدبلوماسية أو العقوبات الاقتصادية الخانقة فحسب، بل جاء على شكل "خط أحمر" مباشر وصارم نُقل عن كواليس البيت الأبيض: "مقتل أي جندي أميركي يعني العودة الفورية إلى خيار الحرب الشاملة".
هذا الإعلان، الذي كشفت عنه تقارير صحفية أميركية رصينة كـ "وول ستريت جورنال"، يضع المنطقة بأسرها فوق صفيح ساخن، ويثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه "الهندسة السياسية" الجديدة على الصمود أمام حقل الألغام الإيراني.
" قواعد اشتباك " جديدة.. القبول بالمناوشات ورفض الخسائر
يكشف الموقف الأخير لترامب عن براغماتية حذرة تشوب عقيدته السياسية " أميركا أولاً ". فالرئيس الأميركي، الذي لطالما فاخر برغبته في إنهاء " الحروب التي لا تنتهي"، يبدو مستعداً اليوم للتغاضي عن مستويات معينة من التصعيد المتبادل والمناوشات الميدانية في الممرات المائية الحيوية، طالما أنها لا تسفر عن خسائر بشرية في صفوف قواته.
هي إذن " قواعد اشتباك " ، جديدة يُسمح فيها بتبادل الرسائل النارية المحدودة، لكنها تضع تكلفة باهظة جداً لأي خطأ في الحسابات الإيرانية أو من قِبل الفصائل الموالية لها. فترامب يسعى إلى تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة، لكنه في الوقت ذاته يدرك أن صورته السياسية وهيبة بلاده داخلياً وخارجياً ترتبطان بقدرته على حماية جنوده ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة.
البعد الاقتصادي: معادلة النفط وحساسية أسواق الطاقة
لا يمكن قراءة " الخط الأحمر" الأميركي بمعزل عن الاعتبارات الاقتصادية. فرغم التحولات التي شهدها قطاع الطاقة الأميركي خلال السنوات الأخيرة، لا تزال أسعار النفط العالمية تمثل عاملاً مؤثراً في الاقتصاد الدولي وفي الأسواق الأميركية على حد سواء.
لذلك لا يمكن فصل الموقف الأميركي عن الاعتبارات الاقتصادية. فأي تصعيد واسع في الخليج، وخاصة في مضيق هرمز الذي يعد شرياناً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية ، و الذى الذي يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي ، قد يؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار البرميل، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً للاقتصاد العالمي وللوعود الأميركية المتعلقة بالاستقرار الاقتصادي وكبح التضخم.
ومن هذا المنطلق،يمثل الخط الأحمر الأميركي محاولة لتوفير "مظلة أمان" للناقلات البحرية وشرايين التجارة الدولية، وتحذيراً لطهران من أن استخدام ورقة مضيق هرمز لابتزاز الاقتصاد العالمي سيعني نهاية قواعد اللعبة الدبلوماسية.
الدبلوماسية تحت ظلال المدافع
ورغم لغة التهديد والردع، فالمفارقة في استراتيجية ترامب تكمن في المسار الموازي، فالتهديد بالحرب لا يلغي رغبته الجامحة في إبرام "صفقة القرن" الخاصة به مع طهران.
وتتحدث تقارير إعلامية عن اتصالات غير مباشرة وجهود وساطة إقليمية ودولية تهدف إلى خفض التوتر وفتح آفاق لتفاهمات جديدة بين الجانبين.
حيث لا تزال المساعي الدبلوماسية حاضرة بقوة في المشهد. فقد تحدثت تقارير إعلامية عن اتصالات غير مباشرة وجهود وساطة إقليمية ودولية، تقود الباكستان خطوطها الخلفية، تهدف إلى خفض التوتر وفتح آفاق لتفاهمات جديدة بين الجانبين .
فواشنطن تدرك أن الحل العسكري وحده لا يكفي، كما تدرك طهران أن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد تكون مكلفة على مختلف المستويات.
ومع ذلك، فإن الشروط الأميركية المطروحة على طاولة المفاوضات تبدو "مشددة جداً" وتكاد تلامس حدود الاستسلام بالنسبة لطهران، إذ تتمحور حول ثلاثة ملفات رئيسية لا تقبل المساومة ، أولها التأمين الكامل والدائم لمضيق هرمز بما يضمن تدفق الطاقة العالمي وينأى به عن أي ابتزاز سياسي، وثانيها حسم مستقبل البرنامج النووي الإيراني ووضع قيود صارمة على مستويات تخصيب اليورانيوم، وصولاً إلى الملف الثالث والأكثر تعقيداً و الذي يستهدف تقويض النفوذ الإقليمي الإيراني والإنهاء التام لملف دعم الفصائل المسلحة الحليفة لها في المنطقة.
الحسابات الدولية: بكين وموسكو على خطوط التماس
التوتر المتصاعد لا يثير قلق واشنطن وطهران فحسب، بل يضع القوى الدولية الكبرى أمام تحديات متزايدة.
إذ تنظر بكين بريبة شديدة إلى أي توتر يهدد أمن الخليج. فالصين، المستورد الأكبر للنفط الإيراني والخليجي، ترى في استقرار الممرات المائية مصلحة استراتيجية عليا ترتبط مباشرة بمشروعها العملاق "الحزام والطريق"، وهي تضغط خلف الكواليس لتهدئة الأوضاع وضمان عدم انهيار طهران اقتصادياً، مع الحفاظ على شعرة معاوية مع واشنطن.
أما موسكو، التي تعيش تحالفاً عسكرياً وتكتيكياً وثيقاً مع طهران، فتجد في التوتر الحالي فرصة لإشغال الإدارة الأميركية عن ملفات دولية أخرى، لكنها في الوقت ذاته لا تحبذ سيناريو الحرب الشاملة التي قد تطيح بحليفها الإقليمي الأبرز أو تدفع بالمنطقة إلى فوضى غير مسيطر عليها تُربك حساباتها في الشرق الأوسط.
التكتم الإيراني.. هدوء ما قبل العاصفة أم تراجع تكتيكي؟
في المقابل، تلتزم طهران قدراً لافتاً من الحذر والتكتم حيال ما يجري خلف أبواب التفاوض المغلقة. فالقيادة الإيرانية، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية متصاعدة وتحديات سياسية داخلية وخارجية متشابكة، تجد نفسها أمام خيارات بالغة التعقيد بين الحفاظ على ثوابتها الاستراتيجية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
ويبدو أن صناع القرار في إيران يفضلون، في هذه المرحلة، اعتماد سياسة الترقب وإدارة الأزمة بأقل قدر ممكن من التصعيد، مع الإبقاء على قنوات التواصل الدبلوماسي مفتوحة أملاً في تجنب سيناريوهات أكثر كلفة على المستويين السياسي والاقتصادي.
غير أن هذا الهدوء الظاهر لا يحجب حجم المأزق الذي تواجهه طهران. فبين الضغوط الأميركية المتزايدة ورغبتها في الحفاظ على نفوذها الإقليمي ومكتسباتها الاستراتيجية، تبقى القيادة الإيرانية مطالبة باتخاذ قرارات دقيقة قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل يمثل هذا التكتم مقدمة لتسوية سياسية تفرضها موازين القوى الراهنة، أم أنه مجرد استراحة تكتيكية تسبق جولة جديدة من شد الحبال بين واشنطن وطهران؟
في المحصلة، تبدو المنطقة أمام توازن هش بين منطق الردع ومنطق التفاوض. ف"الخط الأحمر" الذي رسمته واشنطن قد يشكل أداة ضغط تدفع نحو التهدئة، لكنه في الوقت نفسه يجعل أي خطأ في الحسابات أو أي حادث ميداني غير محسوب قادراً على إشعال أزمة واسعة.
وبين حسابات واشنطن وطهران، ومصالح بكين وموسكو، تبقى المنطقة معلقة على خيط رفيع يفصل بين تسوية سياسية محتملة ومواجهة لا يرغب فيها أحد، لكنها تظل احتمالاً قائماً ما دامت أسباب التوتر الأساسية دون حلول جذرية.