بقلم: جيهان غديرة
ليس شهر رمضان في تونس مجرد ورقة تُقلب في التقويم الهجري، ولا مناسبة دينية عابرة، بل هو إيقاع حياة يعيد رسم ملامح الشخصية التونسية. في هذا الزمن المختلف، يهدأ الصخب اليومي، وتلين الوجوه، وتُفتح نوافذ الروح على فضاءات أرحب من التسامح والسكينة. وخلاله، تتحول الأزقة العتيقة، من نهج جامع الزيتونة إلى بطحاء باب سويقة، إلى مختبرات حية لترميم الروابط الاجتماعية التي أرهقتها سرعة الحياة العصرية، وتستعيد " المدينة " وظيفتها الأولى: فضاءً للقاء والحميمية والتراحم.
من " جبل التوبة" إلى مآذن جامع الزيتونة
تبدأ الرحلة من ربوة سيدي بلحسن الشاذلي، حيث يمتزج تحري الهلال بعبق التاريخ في حضرة ما يُعرف بـ" جبل التوبة " . هناك، لا يبحث التونسيون عن ضوء في السماء فحسب، بل عن إشارة رمزية لبدء معراج روحي يتخففون فيه من ثقل اليومي وضجيج المعيش. ومع إعلان ثبوت الشهر، تستعيد المساجد هيبتها التاريخية، لا سيما عبر أختام الحديث وصلاة التراويح، حيث يمتزج الخشوع بنغمات المقامات التونسية الأصيلة، في مشهد يزاوج بين التعبّد والجمال الفني.
خريطة المذاق: جولة في الأقاليم التونسية
تكتسب مائدة الإفطار في تونس أبعادًا رمزية تتجاوز قيمتها الغذائية، فهي الموعد المقدّس لصلة الرحم، ومرآة صادقة لتنوّع جهوي مذهل يختزل جغرافيا البلاد في أطباقها. ففي ربوع الشمال الغربي، يأخذ رمضان طابعًا جبليًا دافئًا؛ ففي الكاف لا يكتمل الاحتفاء دون طبق " البرزقان " ، ذلك الكسكسي الفاخر الذي يمزج بين ملوحة اللحم وحلاوة الفواكه الجافة، في تناغم يعكس سخاء الأرض والناس. أمّا في باجة، فتفوح رائحة المخارق والزلابية المقلية بالسمن، كأنها توقيع رمضاني خاص بالمدينة، يسكن الذاكرة قبل أن يستقر على المائدة.
وعلى امتداد الساحل، في سوسة والمنستير والمهدية، تمتزج زرقة البحر ببياض المآذن، وتملأ رائحة البخور والسمك " المصلي" و" الكسكسي بالمناني" الأنهج، مضفية نكهة بحرية خاصة على مائدة الإفطار، فيما تتعالى حلقات الحضرة والأذكار في مشهد روحي يجمع الأجيال حول ذاكرة مشتركة.
ومن بنزرت شمالًا إلى بن قردان جنوبًا، تبرز عادة " الموسم" في ليلة القدر كرباط اجتماعي متين، يقدّس الروابط الأسرية ويمنح العلاقات المستقبلية بعدًا احتفاليًا خاصًا، حيث يتسابق الخطّاب لتقديم الهدايا والذهب لخطيباتهم. هذا الطقس، وإن اختلفت تفاصيله من جهة إلى أخرى، يظل الخيط الناظم الذي يربط العائلات التونسية، محوّلًا رمضان من تجربة فردية إلى احتفال اجتماعي بامتياز.
التضامن… من الشعار إلى الممارسة
رمضان التونسي يرفض الانغلاق؛ إنه شهر الأيادي الممدودة. من مبادرات الهلال الأحمر التونسي والاتحاد التونسي للتضامن الاجتماعي، إلى موائد الرحمن الفردية، يثبت المجتمع المدني أن التكافل ليس فعلًا ظرفيًا، بل جينًا اجتماعيًا متجذرًا. هنا، لا يصبح التبرع مجرد صدقة، بل ممارسة مواطنة روحية تسعى إلى تقليص الفجوات الطبقية تحت خيمة الشهر الفضيل.
رمضان “الترند”… حين ينقذ الشباب الذاكرة
خلافًا للمخاوف من اندثار الهوية، نجح جيل “الزيد” في نقل رمضان التونسي إلى الفضاء الرقمي. عبر منصات تيك توك وإنستغرام، تحولت الجبّة والشاشية وأطباق السحور، مثل المسفوف، إلى ترندات بصرية تفاخر بها الجهات، ما خلق شكلًا من “القومية الغذائية والجمالية” الإيجابية التي أعادت الاعتبار للمنتج التونسي. لم ينفصل الشباب عن جذورهم، بل أعادوا تقديمها بلغة العصر، محوّلين الذاكرة الجماعية إلى طاقة حية متجددة، وساهموا في رقمنة التضامن عبر حملات خيرية إلكترونية تحشد آلاف المتطوعين في ساعات قليلة.
يبقى التحدي الحقيقي الذي يواجه التونسيين ليس في إتمام الصيام، بل في تحويل التضامن الموسمي إلى ثقافة دائمة. فرَمضان في تونس حالة استثنائية من المصالحة مع الذات والتاريخ، ومختبر سنوي يثبت فيه هذا الشعب قدرته على الابتكار دون انبتات، وعلى التحليق نحو المستقبل دون أن ينسى تراب الوطن.
في مشهد إنساني مؤثر يعكس روح التضامن بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، احتضن المستشفى الجامعي بدر الدين العلوي، اليوم السبت، قافلة صحية متخصصة في جراحة العيون، مكّنت 31 مسنًا من استعادة نعمة البصر بعد خضوعهم لعمليات إزالة " الماء الأبيض " وزرع العدسات.
القافلة نُظّمت تحت إشراف وزارة الصحة، وبالتنسيق مع الإدارة الجهوية للصحة بالقصرين، وبالشراكة مع جمعية غصن الزيتون، وبدعم من جمعية النوري الخيرية، في إطار تعزيز مبدأ العدالة الصحية وتقريب الخدمات الطبية المتخصصة من الفئات الهشة.
استهداف كبار السن محدودي الدخل
واستهدفت المبادرة مسنين تجاوزوا سن الستين، من ذوي التغطية الصحية المحدودة أو المجانية، ممن حالت ظروفهم المادية دون اقتناء العدسات والأدوية الضرورية لما بعد التدخل الجراحي. وتكفّلت جمعية غصن الزيتون بتوفير العدسات الطبية ولوازم العمليات، إلى جانب أدوية ما بعد الجراحة، بما أتاح إجراء التدخلات في ظروف صحية ملائمة ومجانية بالكامل.
المدير الجهوي للصحة بالقصرين، عبد الغني الشعباني، أكد في تصريح إعلامي أن القافلة انتظمت في ظروف طيبة، ووجّهت أساسًا للحالات الاستعجالية من كبار السن بمختلف معتمديات الولاية، مشيرًا إلى أن الفريق الطبي ينتمي في أغلبه إلى الإطار الصحي بالمستشفى الجامعي، مع تعزيز بطبيبين مختصين من تونس، بما ضمن جودة التدخلات وسلامتها.
دعم متواصل لقسم طب وجراحة العيون
وشهد قسم طب وجراحة العيون بالمستشفى الجامعي بالقصرين خلال الفترة الأخيرة دعمًا هامًا على مستوى التجهيزات، مع تركيز قاعتي عمليات مجهزتين، ما مكّن من إجراء تدخلات دقيقة ومتقدمة، من بينها عمليات زرع القرنية. ويأتي ذلك في سياق خطة لتطوير هذا الاختصاص الحيوي داخل الجهة، وتقليص الحاجة إلى تحويل المرضى نحو ولايات أخرى.
من جهته، اعتبر رئيس القسم الجامعي لطب وجراحة العيون، لطفي شعباني، أن هذه القافلة تمثل نموذجًا ناجحًا للشراكة بين القطاع العمومي والمجتمع المدني، مثمّنًا مساهمة جمعية غصن الزيتون في توفير المستلزمات الطبية الضرورية، بما انعكس إيجابًا على جودة الخدمات المسداة لأهالي الجهة.
امتداد لمبادرات سابقة
رئيس شبكة غصن الزيتون للجمعيات التنموية بصفاقس، حاتم العيادي، أوضح أن قافلة القصرين تندرج ضمن برنامج أوسع سبق أن شمل ولاية صفاقس، حيث تم إجراء 80 عملية جراحية لفائدة مسنين كانوا على قوائم انتظار طويلة. وأضاف أن التدخلات ستتواصل لتشمل حالات أخرى، تكريسًا لحق المواطنين في العلاج دون تمييز.
وأكد العيادي أن الشبكة ساهمت كذلك في دعم قسم طب وجراحة العيون بالقصرين بتجهيزات طبية، في إطار تكريس مبدأ التمييز الإيجابي بين الجهات وضمان تكافؤ الفرص في النفاذ إلى الخدمات الصحية المتخصصة.
" عاد لنا النور "
عدد من المنتفعين عبّروا عن امتنانهم العميق لهذه المبادرة، مؤكدين أن العملية أعادت إليهم القدرة على الحركة باستقلالية وممارسة حياتهم اليومية دون معاناة. أحد المسنين قال بتأثر: " كنت نعيش في ظلام… اليوم رجع لي النور " .
هكذا، لم تكن القافلة مجرد تدخل طبي عابر، بل محطة أمل أعادت البصر لعيون أنهكها الانتظار، ورسّخت معنى التضامن حين يتحول إلى فعلٍ يُبصر به الناس طريقهم من جديد.
كتبت : جيهان غديرة
اهتز الضمير الانساني في تونس على وقع مأساة إنسانية جديدة، بطلها طفل لم يتجاوز ربيعه الثالث، تعرض لاعتداء جنسي وحشي داخل روضة أطفال. هذه الواقعة التي انطلقت من ردهات مستشفى "شارل نيكول" بالعاصمة، لم تعد مجرد ملف قضائي، بل تحولت إلى صرخة غضب عارمة تطالب بتطهير قطاع الطفولة من "الذئاب البشرية .
مع أول خيوط الفجر، يبدأ سوق الخضر والفاكهة بـ منوبة في الاستيقاظ، متحولاً إلى لوحة فنية متحركة. عند المدخل، تصطف العربات الملونة المحملة بالمنتجات الطازجة: الطماطم الحمراء كقطع من الحرير، والخيار الأخضر يلمع تحت أشعة الشمس، بينما البرتقال البلدي يبعث شعورًا بالدفء.بين هذه الألوان، تتناثر الجزر والبطاطا والليمون البلدي، وكل قطعة تبدو وكأنها تدعو المشتري للتوقف والتأمل.
Error: No articles to display
Error: No articles to display