جاكرتا مدينة تعمل بلا كلل، حركة المرور فيها لا تهدأ، وأصوات المصانع تشي بحيوية اقتصادية متواصلة، ومع ذلك لا يشعر الزائر بالتوتر الذي يرافق عادة المدن الكبرى. ثمة سكينة غير مرئية، تنبع لا من المكان بقدر ما تنبع من أهله. فالناس هنا يسيرون بخطى واثقة، لا عجلة فيها ولا انفعال، وكأنهم اعتادوا الازدحام حتى صار جزءًا من إيقاعهم اليومي.

أكثر ما يلفت النظر هو طيبة الشعب الإندونيسي وابتسامته الدائمة، ابتسامة صادقة لا تبدو مصطنعة ولا مرتبطة بمصلحة. يرحبون بالسائح بوجه بشوش وكلمة لطيفة، ويعاملونه كضيف لا كغريب. في الأسواق، في الشوارع، وحتى في وسائل النقل العامة، تشعر بأن الاحترام المتبادل قيمة راسخة في السلوك اليومي.
وربما كان المشهد الأكثر دلالة هو ما يحدث داخل وسائل النقل المزدحمة؛ حافلات وقطارات مكتظة عن آخرها، ومع ذلك لا صراخ ولا شجار، ولا أصوات غاضبة تتصادم. يسود الصمت النسبي أو أحاديث خافتة، ويتعامل الناس بصبر لافت، وكأنهم اتفقوا ضمنيًا على أن الهدوء أسلوب حياة لا يمكن التفريط فيه.
إن زيارة جاكرتا ليست مجرد رحلة إلى مدينة آسيوية كبرى، بل هي تجربة إنسانية تعلّم الزائر أن الازدحام لا يعني الفوضى، وأن التقدم الصناعي لا يتعارض بالضرورة مع السلام الداخلي. جاكرتا تقول لزائرها بهدوء: يمكن للحياة أن تكون صاخبة من حولك، لكن قلبك يظل هادئًا إن اخترت ذلك.























