قفة التونسي ... "غصة" في القلوب ومعجزة صمود يومية

نيسان/أبريل 10, 2026

لم يعد غلاء المعيشة في تونس مجرد انطباع يومي يرويه المواطن داخل السوق أو أمام موائد العائلات، بل تحول إلى "غصة" تسكن البيوت،.وتفاصيل دقيقة تُحاك بالدموع والحسابات المرهقة فبين ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية، تتسع الفجوة بين دخل الأسر وتكاليف العيش بشكل غير مسبوق و  تبدو الحياة اليوم كأنها سلسلة من التنازلات التي لا تنتهي..

في السوق… “العين بصيرة واليد قصيرة


لم تعد الضوضاء المعتادة تعكس بهجة التسوّق، بل تحوّلت إلى مشهد باهت تغلب عليه الحيرة. الوجوه متعبة، والخطوات مترددة أمام لافتات الأسعار. لم يعد السؤال: “ماذا سنطبخ اليوم؟”، بل “ماذا يمكننا الاستغناء عنه اليوم؟”.

تقف أمّ لثلاثة أطفال أمام بائع خضر، تمسك ببعض الحاجيات ثم تعيد جزءًا منها. تقول بنبرة مثقلة بالقلق:"كنا نشريو بالراحة.. اليوم نحسبو كل مليم. حتى الخضرة ولّت محسوبة. نقصنا برشا حاجات، واللحم صار ضيف شرف ما نشوفوهش ديما. المهم نكمّلو الشهر واقفين."

وعلى مقربة منها، يهزّ أحد الباعة رأسه بأسف، فالركود أصاب حتى "القوت اليومي": "الناس ما عادش تشري كيما قبل، ولينا نبيعوا بالكعبة وبالغرام."*

سلسلة تنازلات يومية

بالنسبة للموظف التونسي، تحولت " الشهريّة " إلى مجرد رقم عبوري. يختصر موظف في الأربعينات المشهد بكلمات جارحة في واقعيتها : "الشهريّة ما عادش توصل لنص الشهر. كراء، قراية صغار، ماكلة.. كل شي غلى إلا قيمة الإنسان.

"هذا  " التقشف الإجباري "ليس يعد خياراً، بل هو درع واهٍ يحاول به المواطن صدّ ضربات التضخم المتتالية.

الأثر الصامت: حين يسرق الغلاء "راحة البال"

بعيداً عن الأكياس الفارغة، لا تقتصر تداعيات الغلاء على الجانب المادي، بل تمتدّ إلى إفلاس من نوع آخر..  الإفلاس النفسي  فالفقدان لا يطال الجيوب فقط، بل يفرغ الصدور من السكينة.

لقلق المزمن من "فاتورة الغد" يسرق النوم، ويحوّل أتفه النقاشات المنزلية إلى صراعات محتدمة. يقول شاب: "أصعب حاجة موش الغلاء… أصعب حاجة إنك ما عادش حاس بالأمان ."

كما تشير تقارير اجتماعية إلى أن الأطفال، فهم "الضحية الصامتة"؛ فحرمانهم من رحلة مدرسية أو وجبة مفضلة يترك ندوباً في توازنهم النفسي، مما يحوّل الأزمة من ظرف مادي إلى تحدٍّ مجتمعي طويل المدى.
استراتيجيات البقاء: من التقشف إلى الاقتصاد الموازي
أمام هذا الواقع الاقتصادي الضاغط، لم تعد العائلات التونسية تملك هامشًا واسعًا للاختيار، بل باتت تعتمد على جملة من استراتيجيات التأقلم اليومية لضمان الحدّ الأدنى من تسيير شؤونها المعيشية. وتتمثل أبرز هذه الاستراتيجيات في تقليص الاستهلاك اليومي إلى أقصى حد ممكن، والاعتماد على شراء كميات صغيرة ومتفرقة بدل التسوق الأسبوعي أو الشهري، إضافة إلى البحث عن مصادر دخل إضافية لتغطية النفقات المتزايدة، فضلًا عن العودة إلى أنماط استهلاك تقليدية أكثر اقتصادية تقوم على الاكتفاء بالضروري وإعادة توظيف الموارد المتاحة داخل المنزل. وفي بعض الحالات، برز الاقتصاد الموازي والمبادرات الفردية كحلول ظرفية لتخفيف الضغط، رغم أنه لا يمثل بديلًا هيكليًا قادرًا على معالجة جذور الأزمة.

وفي السياق ذاته، تكشف مؤشرات السوق عن تحوّل واضح في سلوك العرض والطلب، حيث يُسجَّل تراجع ملحوظ في الإقبال على اللحوم الحمراء مقابل ارتفاع الطلب على المواد الغذائية الأساسية منخفضة الكلفة، إلى جانب تزايد حساسية المستهلك تجاه الأسعار اليومية واعتماده على المقارنة الدقيقة قبل الشراء. كما انتشرت بشكل لافت ظاهرة " التقنين اليومي " ، حيث لم يعد المستهلك يخطط لاحتياجاته لفترات طويلة، بل يكتفي بتأمين حاجيات يوم أو يومين فقط، في انعكاس مباشر لضغوط القدرة الشرائية وتقلّب الأسعار.

بين محاولات الصمود وضغوط الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى تواصل العائلات هذا التحدي اليومي بمفردها؟ إن صمود التونسيين اليوم هو "معجزة يومية"، لكنها معجزة تحتاج إلى سياسات اقتصادية حقيقية تسند هذا التضامن الشعبي قبل أن ينهكه التعب.

 

Rate this item
(0 votes)
« April 2026 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29 30      

ترند اليوم

ترند الموقع

قفة التونسي  ... "غصة" في القلوب ومعجزة صمود يومية

ساعة الصفر بين واشنطن وطهران: تهديد “ليلة واحدة” في مواجهة هدنة محتملة لـ45 يوماً

إندونيسيا بين زلازل الأرض وثبات الإيمان

مدفع الإفطار انطلق.. هل تفطر بالطريقة الصحيحة؟ دليلك الذكي لاستعادة طاقة جسمك في رمضان

رمضان تونس: سيمفونية الروح بين عبق " المدينة " وسحر " الديجيتال "

بطاقة إيداع بالسجن في قضية اختلاس بقيمة 1.8 مليار ومواصلة التحقيقات

رضيع درنة.. صرخة في وجه مجتمع "العار" وقوانين الحماية الغائبة

القصرين تستعيد نور البصر: 31 عملية لإزالة " الماء الأبيض "  في قافلة صحية تضامنية

شبكة " غصن الزيتون "  بصفاقس.. حين يتحول العمل الجمعياتي إلى رافعة للحق في الصحة