بقلم: جيهان غديرة
صرخة رضيع.. ومحاكمة ضمير
لا يمكن لصحيفة تحترم شرف الكلمة أن تمر على واقعة "رضيع درنة" كخبر جنائي عابر يُطوى بانتهاء التحقيقات. إن ما حدث ليس مجرد جريمة قتل ارتكبتها أمّ في لحظة يأس، بل هو إعلان صريح عن "إفلاس قيمي" وخلل هيكلي في منظومتنا الاجتماعية. عندما تُللقى روح بريئة للكلاب الضالة، فإن المجتمع بكامله يقف في قفص الاتهام؛ فالعار ليس في الولادة، بل في القسوة التي شرعنت القتل وغيّبت الرحمة.
بين الجريمة والوصم.. قراءة في فاجعة درنة
هزّت واقعة العثور على رضيع متخلّى عنه في مكبّ نفايات بمدينة درنة شرق ليبيا الرأي العام، أعادت الواقعة طرح أسئلة موجعة حول حدود المسؤولية الفردية، وضغط المجتمع، ودور الدولة في الحماية. القضية، ، التي باشرتها إدارة البحث الجنائي وأُحيلت إلى النيابة العامة، ليست مجرد خبر صادم؛ إنها مرآة لاختلالات الاجتماعية والنفسية والقانونية أعمق.
الجريمة كفعل فردي… والمسؤولية القانونية
من الناحية القانونية، لا خلاف أن إزهاق روح طفل حديث الولادة يُعد من أخطر الجرائم، ويستوجب عقوبات رادعة. الدولة، عبر أجهزتها القضائية، مطالبة بتطبيق القانون بحزم، ليس فقط تحقيقاً للعدالة في هذه القضية، بل أيضاً لردع أي سلوك مشابه مستقبلاً.
غير أن الاقتصار على البعد العقابي وحده قد يُنتج معالجة ناقصة، إذ لا يُجيب عن سؤال: لماذا تصل أم إلى هذه الدرجة من القسوة أو اليأس؟
ضغط الوصم والخوف من الفضيحة
في مجتمعات محافظة، يظل الحمل خارج إطار الزواج وصمة ثقيلة، تتحول أحياناً إلى تهديد وجودي للمرأة. الخوف من الفضيحة، ومن النبذ العائلي، ومن فقدان الأمان الاجتماعي، إلى سجن نفسي، حيث يبدو الصمت خياراً أقل كلفة من المواجهة.
غير أن الخوف، مهما اشتد، لا يمكن أن يكون مبرراً لإزهاق روح بريئة. لكنه يفسّر كيف تتراكم الضغوط حتى تنفجر في صورة مأساوية.قد يدفع البعض إلى خيارات كارثية.
هذا لا يبرر الجريمة، لكنه يسلّط الضوء على مناخ اجتماعي يُغلّب العقاب المعنوي على الاحتواء، ويجعل " العار" أقسى من القانون.
غياب شبكات الأمان
تطرح هذه الحادثة سؤالًا جوهريًا حول شبكات الأمان التي كان يمكن أن تتدخل قبل وقوع الكارثة، إذ تكشف عن فجوة واضحة في منظومات الحماية الاجتماعية. فوجود قنوات آمنة وسرّية لطلب المساعدة، وخدمات إيواء وإرشاد للنساء في أزمات الحمل، وبرامج توعية واضحة بحقوق الطفل ومسؤوليات الأبوة، ليس مجرد تفاصيل إدارية، بل عناصر أساسية لحماية الأفراد.
حين تغيب هذه البدائل الإنسانية، يجد بعض الأشخاص أنفسهم محاصرين بالخوف والوصم، فتبدو الخيارات أمامهم ضيقة ومظلمة، ويغيب وجود قنوات تمكّن المرأة من تسليم مولودها لجهة رعاية مختصة بدل التخلي عنه في ظروف خطيرة. في كثير من الدول، تلعب برامج الاحتواء والتكفّل الاجتماعي دورًا حاسمًا في تقليل احتمالات وقوع مثل هذه المآسي، لكن غياب هذه البدائل يترك الأفراد وحدهم في مواجهة الضغوط النفسية والاجتماعية، مما قد يدفعهم إلى اتخاذ قرارات كارثية لا تُعيد الحياة للضحية ولا تحفظ كرامة الإنسانية.
بين الفهم والتبرير
الفترة المحيطة بالولادة قد تشهد اضطرابات نفسية حادة لدى بعض النساء، تتراوح بين اكتئاب ما بعد الولادة إلى نوبات ذهانية نادرة، ما يجعل التقييم النفسي الدقيق خلال التحقيق أمراً ضرورياً لفهم السياق الكامل للجريمة. الفهم هنا لا يعني التبرئة أو التخفيف من مسؤولية الفعل، بل يتيح وضع سياسات وقائية مستقبلية تحمي الأمهات والأطفال على حد سواء. بالتالي، التقييم النفسي يساعد على منع تكرار مثل هذه المآسي، بينما التبرير المباشر للفعل يهدد منظومة القيم الإنسانية والاجتماعية برمتها.
المسؤولية المشتركة
تبرز واقعة رفض الأب الاعتراف بالمولود أهمية النظر إلى الحمل باعتباره مسؤولية مشتركة بين الطرفين، إذ غالباً ما تتحمل المرأة الكلفة الاجتماعية كاملة، بينما يظل دور الأب مجهولاً أو مُتنصّلًا. العدالة الحقيقية لا تكتمل إلا بمساءلة جميع الأطراف التي ساهمت في خلق الوضع، سواء من الناحية القانونية أو الأخلاقية. فالتنصّل من المسؤولية ليس أقل خطورة من الفعل الإجرامي نفسه لما يترتب عليه من آثار اجتماعية ونفسية مدمرة.
نحو مقاربة أشمل
تُعد هذه الفاجعة لحظة مراجعة جادة، لا مجرد خبر صادم يختفي بعد أيام، إذ تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين العدالة والحماية المجتمعية. يجب تطبيق القانون بحزم وشفافية لضمان مساءلة كل الأطراف وحماية حقوق الضحايا، بالإضافة إلى إنشاء وتعزيز برامج الدعم النفسي والاجتماعي للنساء في الأزمات لتقديم بدائل واقعية قبل وقوع المأساة. كما ينبغي إطلاق حملات توعية بمسؤولية الأبوة وحقوق الطفل لتأكيد أن حماية الأطفال واجب جماعي وليس على المرأة وحدها، وفتح نقاش مجتمعي حول آثار الوصم وكيفية استبداله بثقافة احتواء توفر بيئة آمنة للنساء والأطفال على حد سواء.
في النهاية، تُقاس إنسانية المجتمعات بمدى قدرتها على حماية أضعف أفرادها، والضحية هنا طفل لم يختر ظروف قدومه إلى الحياة. هذه الفاجعة ليست اختبارًا للقضاء فقط، بل لمحكّ ضمير جماعي يحتاج إلى مراجعة شجاعة لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي.
إن صرخة رضيع درنة لم تكن صرخة ألم فحسب، بل كانت صافرة إنذار لمجتمع يحتاج أن يتصالح مع إنسانيته. إنها لحظة مراجعة جادة لنستبدل "ثقافة الوصم" بـ "ثقافة الحماية"، لضمان ألا تتكرر هذه المأساة مرة أخرى تحت أي ذريعة.























