بقلم: جيهان غديرة
لم تكن دماء التلميذ "ياسين عبد الحق" التي سالت في ولاية المنستير مجرد حادثة جنائية عابرة، بل كانت "هزّة أرضية" ضربت ما تبقى من طمأنينة في الوسط التربوي التونسي. هذه الفاجعة أعادت ملف العنف المدرسي إلى الواجهة، لا كظاهرة سلوكية تحتاج لردع قانوني فحسب، بل كأزمة بنيوية تبدأ من غياب الدور الرقابي والتربوي للأسرة قبل أن تصل إلى أسوار المعاهد.
المدرسة: من ملاذ آمن إلى ساحات عنف
منذ سنوات، والتقارير الرسمية تحذر من تصاعد منسوب العنف في الوسط المدرسي، لكن قسوة الحوادث الأخيرة تعكس تحولاً خطيراً؛ فالمدرسة التي كانت "حرمًا" يُقدس، تحولت في بعض الأحيان إلى ساحات لتصفية الحسابات. ويرى خبراء الاجتماع أن هذا الانفلات ليس إلا انعكاساً لـ "مجتمع متوتر"، حيث يجد المراهق نفسه محاصراً بضغوط اقتصادية ونماذج عنف تُروج في الفضاء الرقمي والواقعي.
حين يفشل البيت… تضيع البوصلة
من السهل دائماً إلقاء اللوم على الوزارة أو مدير المعهد، لكن الحقيقة الأعمق تكمن في تفكك الخلية الأولى، أي الأسرة. فالأسرة التونسية اليوم تعيش ما يمكن تسميته بـ"الاستقالة التربوية"، نتيجة عدة عوامل مترابطة. ضعف التواصل بين الأولياء والأبناء واستبداله بالشاشات الذكية يقلل من فرص الحوار والتفاهم، بينما يؤدي التفكك الأسري، وارتفاع نسب الطلاق والنزاعات اليومية، إلى خلق طفل يشبه "قنبلة موقوفة" يفرغ غضبه في المدرسة. كما أن المراهق الذي نشأ في بيئة تعتمد التعنيف وسيلة للحل، غالبًا ما يجد حرجًا قليلًا في استخدام العنف، وقد يصل الأمر إلى استخدام "السكين" لإثبات وجوده أمام زملائه.
خارطة طريق لإنقاذ أبنائنا
لمواجهة هذا "الغول" الذي يهدد أبنائنا، لا تكفي الحلول الأمنية المؤقتة، بل تتطلب استراتيجية وطنية شاملة ترتكز على عدة محاور مترابطة. أولها دعم التربية الوالدية من خلال برامج توعوية رسمية تساعد الأولياء على التعامل مع المراهقين في ظل المتغيرات الحديثة. ثانياً، لا يمكن لمعهد يضم ألف تلميذ أن ينجح دون جيش من الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، الذين يرافقون التلاميذ يوميًا ويكشفون بوادر الانحراف قبل وقوع الكارثة. ثالثاً، يصبح من الضروري إصلاح المحتوى الرقمي وحماية الأطفال من ثقافة البلطجة المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي عبر حملات وطنية للتوعية الرقمية. رابعاً، تفعيل النوادي الثقافية والرياضية يمثل متنفسًا مهمًا لتفريغ الطاقات السلبية، من خلال المسرح والموسيقى والرياضة المدرسية. وأخيرًا، يجب أن يكون القانون مقرونًا بالإصلاح التربوي، بحيث توازن سياسات الردع بين حماية المدرسة وإصلاح التلميذ، مع تجنب أن يصبح الطرد الحل الوحيد الذي يلقي بهم في المجهول.
إن التغيير الحقيقي يبدأ بكلمة في البيت، وينتهي بقيمة في المدرسة. الطفل الذي يشعر بالاحتواء والأمان لا يحتاج لسكين ليثبت قوته. لقد آن الأوان لنتحمل جميعاً المسؤولية، لنعيد مدارسنا إلى فضاء العلم والتربية





















