الإدمان الرقمي... أزمة صامتة تهدد طفولة جيل كامل

تشرين2/نوفمبر 14, 2025

في أحياء تونس الهادئة، تغيّرت ملامح الطفولة بشكل لم يكن أحد يتوقعه. لم يعد الركض في الساحات ورسم الألوان المبهجة جزءًا أساسيًا من يوم الأطفال، إذ حلّت مكانها الشاشات الصغيرة التي أصبحت الرفيق الدائم لهم. أمام هذا التحوّل، يقف الأولياء بين القلق والأسئلة: متى يصبح استخدام الشاشة خطيراً؟ وكيف يمكن إنقاذ الطفل قبل فوات الأوان؟

طفولة تتلاشى بين وهج الشاشات

في زاوية غرفة المعيشة، جلست مها تراقب ابنها كريم، ذو الست سنوات، وهو يغرق في هاتف صغير، يحدّق بعينيه الواسعتين في ضوء أزرق ثابت. حوله، تتراكم ألعاب مهجورة: مكعبات ملوّنة، دمى صامتة، دفاتر رسم يعلوها الغبار.

الأصوات من حوله لم تعد تؤثر فيه: رائحة الخبز من المطبخ، صراخ أخته، ضحكات الأطفال في الخارج… كل ذلك لا يجد طريقًا إلى انتباهه.

عندها قررت مها سحب الهاتف من ابنها كريم، لم تكن تتوقع ما سيحدث. فجأة انفجر الطفل في نوبة غضب غير مسبوقة" صراخ، بكاء، ورمي للأشياء من حوله. تقول مها بحسرة:"أنا فقدت السيطرة… وما عادش نعرف كيفاش نرجّعو للواقع."

وبعد زيارة أخصائية نفسية، جاء التشخيص صادمًا لكن واقعيًا "كريم موش وحدو… جيل كامل يعيش إدمانًا صامتًا."

من هنا بدأت مها رحلة “العلاج بالبدائل”. خبّأت الهاتف، وقدّمت لكريم ألعابه القديمة: كتب التلوين، معجون التشكيل، وسيارته الصغيرة التي كان يعشقها. تردّد الطفل في البداية، لكنّه بدأ يلمس ألعابه ببطء، ثم فجأة… ظهرت تلك الضحكة الصغيرة التي كانت قد اختفت. كانت تلك اللحظة بداية الطريق نحو التعافي" خطوة صغيرة، لكنها كافية لفتح نافذة أمل واسعة.

هذا المثال ليس حالة معزولة، بل هو مرآة لحياة الكثير من الأسر. فالتخفيف من إدمان الشاشات لا يعني القطع التام، بل يحتاج إلى مرافقة، بدائل جذّابة، وتنظيم ذكي لوقت الشاشة. ويبقى دور الوالدين أساسيًا في إعادة أبنائهم إلى العالم الحقيقي، عالم الضحك واللعب والخلق والتفاعل الإنساني.

من الترفيه إلى الإدمان: متى ندقّ ناقوس الخطر؟

لا يُعدّ استخدام الشاشات مشكلة في حدّ ذاته، فالعالم الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا من حياة الأطفال اليوم. لكنّ الخطورة تبدأ حين يتحوّل هذا الاستخدام من مجرّد ترفيه عابر إلى سلوك قهري يسيطر على يوم الطفل ويعزلُه تدريجيًا عن محيطه. تظهر علامات الإدمان الأولى من خلال فقدان السيطرة على الوقت المخصص للشاشة، ومحاولات الطفل المتكررة لزيادته، وصولًا إلى نوبات غضب وتوتر عند محاولة إيقاف الجهاز، وهو ما يشبه أعراض الانسحاب المعروفة. ومع مرور الوقت، يتراجع اهتمام الطفل بالأنشطة التي كانت تمنحه المتعة سابقًا—كالرياضة، اللعب مع الأقران، والرسم—ليصبح الجهاز الرقمي ملاذه الوحيد للهروب من الملل أو المشاعر السلبية.
هذه السلوكيات لا تتوقف عند الجانب النفسي فحسب، بل تمتدّ إلى آثار جسدية واضحة مثل اضطراب النوم، إجهاد العينين، وآلام الرقبة والظهر، ما يجعل هذه العلامات بمثابة “إنذار أحمر” يستوجب تدخّلًا عاجلًا من الأسرة.

ولمواجهة هذا الواقع، تبدو “خارطة طريق الخلاص” ممكنة إذا التزم الوالدان بخطة واضحة. تبدأ هذه الخطة بفرض وقت صارم لاستخدام الشاشات—ساعة واحدة للأطفال بين 3 و7 سنوات، وساعتان للمراهقين—مع تطبيق قاعدتين أساسيتين: “لا هاتف على الطاولة” خلال الأكل، و“لا شاشة قبل النوم بساعة” حفاظًا على جودة النوم. كما يصبح توفير بدائل جذابة أمرًا ضروريًا: أنشطة فنية مثل التلوين وألعاب التركيب، ولحظات أسرية قصيرة، إلى جانب الأنشطة الحركية كالرياضة والمشي. يضاف إلى ذلك دور الأهل في مراقبة المحتوى المعروض عبر تفعيل وضع الأطفال واختيار فيديوهات تعليمية، بدلًا من ترك الخوارزميات تتحكم في ذوق الطفل.
وتبقى القدوة الأسرية العامل الأهمّ في هذه المعادلة؛ فحين يرى الطفل والديه يمارسان استخدامًا معتدلًا واعيًا للتكنولوجيا، يصبح من السهل عليه تقليد هذا السلوك، واستعادة توازنه بين العالمين الحقيقي والرقمي.

ان التحدي ليس في منع الشاشات، بل في تنظيمها.فالطفل القادر على التوازن بين العالم الرقمي والحياة الحقيقية هو طفل أكثر صحة، وأكثر قدرة على النمو، وأكثر قربًا من أسرته.
 
Rate this item
(0 votes)

تفضيلات القراء

Error: No articles to display

« January 2026 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31  

ترند اليوم

Error: No articles to display

ترند الموقع

Error: No articles to display

خلف الأبواب: أجر زهيد وحياة شاقة

كأس العرب 2025 ... $36.5$ مليون دولار تُرسّخ التتويج المغربي وتحوّل البطولة إلى قوة اقتصادية.

خلف الأزرار والرسائل… معركة صامتة تخوضها النساء ضد العنف الرقمي

البركاوي يمنح المغرب التقدم أمام السعودية في قمة لوسيل بكأس العرب 2025

صراع النقطة وفارق الأهداف يحسم بطاقة التأهل بين المغرب وعمان في كأس العرب 2025

" معاً نزرع الأمل "  ... شبكة غصن الزيتون تطلق حملة "نشر الدفء 2025/2026 وتكسو 98 تلميذاً في القصرين

بالتعاون الكويتي التونسي ... شبكة غصن الزيتون تسلم مركز "سيدي سهيل" الصحي صنف 04 بالقصرين

ثورة الجمال والأزياء: الموضة التونسية تقتحم العالمية وتُعيد تعريف "اللوك الطبيعي

بعد تقلبات المناخ.. الأمراض الموسمية تتصاعد والوعي الفردي هو السلاح الأقوى.