أزمة الدواء في تونس ... إخلال جسيم بالحق الدستوري وتهديد للأمن القومي

كانون2/يناير 16, 2026

كتبت : جيهان غديرة

لم يعد غياب الدواء في تونس يُصنَّف ضمن الأزمات الظرفية المرتبطة باضطراب التزويد أو نقص السيولة، بل تحوّل إلى أزمة  بنيوية حادة تضع الحق الدستوري في الصحة على المحك. في وقت يواجه فيه المرضى مصيرهم أمام رفوف الصيدليات الفارغة، تكشف الأرقام الصادمة عن نزيف مالي غير مسبوق يهدد بانهيار المرفق العمومي الصحي بالكامل.

فعندما يُجبر مريض السرطان على تعليق بروتوكول علاجه، ويضطر مريض السكري إلى البحث عن دوائه خارج المسالك الرسمية، يصبح الخلل أعمق من مجرد إشكال إداري، ويتحوّل إلى تهديد مباشر للحق في الحياة ولمبدأ العدالة الصحية بين المواطنين.

لغة الأرقام: مديونية "تخنق" الشرايين الحيوية

تحت وطأة أزمة سيولة غير مسبوقة، لم تعد الأرقام مجرد بيانات محاسبية، بل تحولت إلى "حكم مع وقف التنفيذ" على آلاف المرضى في تونس.

 فمع مطلع عام 2026، كشفت البيانات أن الصيدلية المركزية تترنح تحت ثقل 1.3مليار دينار من الديون تجاه المزودين والمختبرات الدولية، مما أدى إلى فقدان الثقة وتقلص الشحنات الحيوية. هذا النزيف المالي الخارجي ليس سوى انعكاس لـ"عجز داخلي" حاد، حيث تطالب الصيدلية المستشفيات العمومية والصناديق الاجتماعية (الكنام) باسترداد مستحقاتها التي تجاوزت 1.4 مليار دينار.

هذه "الدورة المالية المعطلة" لم تتوقف عند حدود المستشفيات، بل امتدت لتضرب الصيدليات الخاصة التي تطالب بدورها "الكنام" بأكثر من 200  مليون دينار، ما دفع بقطاع الصيادلة إلى إطلاق صرخات فزع والتهديد بوقف التعامل بالاتفاقيات المشتركة.

والنتيجة المباشرة لهذه الاختلالات هي "خارطة فقدان" بدأت تتسع لتشمل أكثر من 150 صنفاً من الأدوية الحياتية، تاركةً مرضى السرطان، والصرع، والغدة الدرقية في مواجهة مباشرة مع خطر الموت أو اللجوء إلى مسالك غير قانونية لتأمين حقهم في البقاء.

في نهاية المطاف، ليست الأرقام مجرد أصفار وواحدات على الورق، بل تعكس اختناق الشرايين الحيوية للمنظومة الصحية، حيث تتحوّل المعاملات المالية المعلقة والديون المتراكمة إلى جدار يمنع وصول الدواء إلى من يحتاجونه أكثر من غيرهم.

التداعيات الاجتماعية والحلول الممكنة

انعكس هذا الاختناق في تداعيات تداعيات اجتماعية مريرة، حيث تعمقت الفوارق الطبقية لتصبح الصحة امتيازًا "لمن استطاع إليه سبيلاً".

فبينما يضطر الميسورون إلى طلب الأدوية من الخارج بأسعار مرتفعة جدًا بالعملة الصعبة، يواجه المواطن البسيط في المناطق الداخلية والطبقات الكادحة مصيرًا مجهولًا، مما يعزز شعورهم بـ  "المواطنة المنقوصة " .

وانتعش في ظل هذا النقص "اقتصاد المأساة" عبر السوق السوداء التي تبيع الأدوية بأسعار مضاعفة وفي ظروف غير صحية، مهددة حياة المرضى بمضاعفات خطيرة.

وبسبب هذا النزيف، تفكك الأمان الأسري واضطرت بعض العائلات إلى بيع ممتلكاتها أو الاقتراض لتأمين جرعات العلاج، مما أدى في النهاية إلى قطيعة وفقدان الثقة في المرفق العمومي الذي استحال في نظر الكثيرين "قاعة انتظار للمجهول"، وهو ما يدفع الكفاءات الطبية للهجرة الجماعية بحثًا عن بيئات صحية تحترم قيمة الحياة.

دواء مفقود… ومرضى بلا بدائل

تشهد الصيدليات العمومية والخاصة انقطاعات متكرّرة في أدوية حيوية، من بينها أدوية السرطان، أمراض القلب، السكري، الصرع، الغدة الدرقية، وحتى بعض اللقاحات الأساسية.

أزمة لم تعد خفية ولا قابلة للإنكار، عنوانها الأبرز انقطاع الأدوية، وتفكك المرفق الصحي العمومي، وغرق الصندوق الوطني للتأمين على المرض في مديونية كارثية، تُرك على إثرها المرضى يواجهون مصيرهم في صمت قاتل، بلا دواء ولا حماية ولا أفق، مجبرين على التنقّل بين المدن، أو اللجوء إلى السوق الموازية، أو إيقاف العلاج كليًا، في مشهد يلخّص عمق الأزمة الإنسانية قبل الصحية.

أمّ لطفل مصاب بالصرع تقول:
"
أقضي أيامًا أبحث عن الدواء، وعندما أجده يكون بسعر مضاعف… ابني يدفع ثمن عجز الدولة."

أسباب متشابكة… وانهيار صامت

تتداخل الأسباب لتشكل واقعاً مأساوياً؛ فلا يمكن اختزال أزمة الدواء في تونس في عامل وحيد، إذ تمثّل هذه الأزمة حصيلة تراكمات ممتدة لسنوات، تتداخل فيها الإشكاليات المالية مع ضعف الحوكمة وغياب الرؤية الاستراتيجية.

فالأزمة المالية التي تعيشها الصيدلية المركزية، وما ترتّب عنها من تأخّر في خلاص المزوّدينالأجانب لمدد تتجاوز 12 شهراً، ومن جهة أخرى، يستمر "النزيف الصامت" عبر تهريب الأدوية المدعمة نحو المسالك الموازية.

 ويزيد من حدّة الوضع غياب التخطيط الاستباقي لتأمين المخزون الوطني، إلى جانب النزيف المتواصل في الكفاءات الطبية وشبه الطبية نحو الخارج، ما عمّق إنهاك المستشفيات العمومية.

 وفي مقابل هذا الواقع، شهد الاستثمار في الصحة العمومية تراجعًا ملحوظًا، في وقت ارتفع فيه الطلب على العلاج، لتتكرّس النتيجة نفسها: منظومة عاجزة عن الاستجابة لحاجيات المواطنين الأساسية.

 فلم يعد انهيار المنظومة الصحية توصيفًا مبالغًا فيه، فالمستشفيات العمومية تعاني نقصًا ليس فقط في الأدوية، بل في المستلزمات الطبية الأساسية، أقسام تغلق أبوابها جزئيًا أو كليًا، ومواعيد عمليات تؤجَّل لأشهر، إن لم تُلغَ نهائيًا و في ظل ظروف عمل قاسية دفعت بالأطباء نحو الخارج وكرست "طبقية صحية" مقيتة.

حيث يضطر القادرون للجوء للقطاع الخاص، بينما يواجه المواطن البسيط قائمة انتظار تمتد لأشهر أو علاجاً مبتوراً بسبب غياب الجرعات.

الحلول السيادية .. للخروج من عنق الزجاجة

إن إنقاذ هذا الوضع المتفجر يتطلب جراحة سيادية عاجلة، للخروج من عنق الزجاجة وتجاوز هذه الأزمة تبدأ بإصلاح هيكلي شامل للصناديق الاجتماعية لضمان تدفق السيولة نحو الصيدلية المركزية وتأمين استقلاليتها المالية بما يضمن سداد المزودين الأجانب بانتظام.

ويتوازى ذلك مع ضرورة تبني سياسة دوائية وطنية طموحة تدعم الصناعة المحلية، التي تغطي حالياً 70%من الحاجيات كمّاً و58% فقط قيمةً، مما يستوجب التوجه نحو تصنيع الأدوية الحديثة و"البدائل الحيوية" لتقليص التبعية للخارج وتخفيف عبء العملة الصعبة.

 كما يمثل استكمال مشروع الرقمنة الشاملة ومنظومة التتبع الرقمي من المصنع إلى المريض حجر الزاوية لوضع حد لتهريب الأدوية وتسريبها، بالتزامن مع تحسين ظروف العمل والمناخ المهني للحفاظ على ما تبقى من كفاءات طبية تونسية قبل فوات الأوان.

إن أزمة الدواء في تونس ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات وسياسات قابلة للتصحي، فإما أن تتحمّل الدولة مسؤوليتها كاملة في حماية صحة مواطنيها، أو يستمر النزيف الصامت في منظومة أنهكها الإهمال، ويدفع ثمنها يوميًا مرضى لا يملكون ترف الانتظار.

 

Rate this item
(0 votes)
« January 2026 »
Mon Tue Wed Thu Fri Sat Sun
      1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30 31