سلوك الطفل.. الخيط الأول للجريمة
بدأت القصة حين لاحظت والدة الطفل تغيّراً دراماتيكياً في سلوك طفلها بعد عودته من الروضة، انطواء مفاجئ، صمت مريب، وصعوبة واضحة في المشي ووجود آثار غير طبيعية على جسده. لم يكن جسد الصغير وحده من يحمل آثار الاعتداء، بل كانت نظراته المذعورة تروي ما عجز لسانه عن قوله. بعد استفسارها منه ومعاينته، أكد الطفل تعرضه للاعتداء من أحد العاملين بالمؤسسة.
توجهت الأم فوراً إلى مركز الأمن وتم إحالة الطفل إلى الفحص الطبي الشرعي بمستشفى شارل نيكول بالعاصمة، حيث أكدت التحاليل الأولية وجود آثار اعتداء، وتم رفع عينات بيولوجية لإحالتها على المصالح المختصة لاستكمال الأبحاث.
وبعد الفحص الطبي الشرعي، تأكدت الفاجعة: الطفل تعرض للاعتداء فعلياً.
مخاوف من "ضحايا صامتين" وغضب شعبي يطالب بـ "ثورة رقابية"
ما زاد من قتامة المشهد هو إشارة الطفل للأخصائيين النفسيين إلى وجود شبهات اعتداء على أطفال آخرين، قد يكونون نالوا نصيباً من هذا الجحيم.
هذا التصريح وضع السلطات أمام مسؤولية مضاعفة، حيث يجري التحقيق حالياً للتأكد من مدى اتساع رقعة الانتهاكات داخل هذه المؤسسة، وسط مخاوف من وجود "ضحايا صامتين" لم يجرؤوا على الكلام بعد.
ولم تتوقف ردود الفعل عند حدود الأسرة أو المؤسسة، بل اجتاح "غضب رقمي" منصات التواصل الاجتماعي، بموجة استنكار غير مسبوقة، حيث نادى التونسيون بضرورة إحداث "ثورة رقابية" شاملة ومنظومة حماية لا تخترق. وقد تلخصت المطالب الشعبية في نقاط حازمة تضع أمن الطفل فوق كل اعتبار؛ بدءاً من فرض تفعيل كاميرات المراقبة لضمان رقابة بصرية مباشرة ومستمرة داخل الفضاءات التربوية، ، وصولاً إلى إلزامية الفحص النفسي والسلوكي الدوري لكافة العاملين مع الأطفال ، ومراجعة عاجلة لـ "كراس الشروط" لفرض معايير توظيف صارمة، مع عقوبات جنائية رادعة لكل من يعتدي على الأطفال.كما شدد المحتجون على ضرورة المراجعة القانونية العاجلة لـ "كراس الشروط" لفرض معايير توظيف أكثر صرامة، توازيها عقوبات جنائية قصوى لردع كل من تسول له نفسه المساس بسلامة الصغار.
وقد تجسد هذا الحراك الشعبي في كلمات خبراء ومثقفون ، الذين أكدوا أن "الطفولة لا تملك صوتاً"، مما يجعل من الصمت تجاه هذه الانتهاكات ضرباً من أشكال "التواطؤ"، مما يجعل تحرك وزارة الطفولة الفوري أمام مسؤولية تاريخية للتحرك الفوري الذي لا يقبل التأجيل أو التسويف.
الرقابة العائلية: خط الدفاع الأول
رغم أهمية الرقابة الرسمية، يشدد المختصون على ضرورة يقظة الأهالي، باعتبارهم الخط الدفاعي الأول عن أطفالهم. إذ تقع على عاتقهم مسؤولية بناء جسور ثقة تجعل الطفل يتحدث دون خوف، ومراقبة أي علامات جسدية أو نفسية طارئة، مع التبليغ الفوري عن أي شبهة.
هذه المأساة تؤكد حقيقة واضحة: الأطفال بلا حماية هم ضحايا دائمون. الأمل يكمن ف"ثورة رقابية"ي يقظة الأهل، صراحة الأطفال، وحزم السلطات. آن الأوان لتتحرك الدولة والمجتمع بلا تردد، لتصبح كل روضة وكل فضاء تربوي حصناً آمناً لا يُطال. لتكن صرخة هذا الطفل بداية ثورة حقيقية لحماية الطفولة قبل أن تتحول البراءة إلى ذكرى ضائعة.