إليسا تعود إلى قرطاج بعد 17 عاماً: "أحلى رجعة لتونس بوجودكم" في ليلة استثنائية

إليسا تعود إلى قرطاج بعد 17 عاماً: "أحلى رجعة لتونس بوجودكم" في ليلة استثنائية

بعد غياب طويل، صافحت الفنانة اللبنانية إليسا جمهور مهرجان قرطاج الدولي من بوابة الذاكرة، حيث اختارت أن تستهل حفلتها بفيديو يوثق مراحل مفصلية في مسيرتها الموسيقية. كانت تلك اللحظة بمثابة رحلة عبر الزمن، استعادت فيها إليسا وجمهورها معاً محطات صنعت مجدها الفني، من البدايات المتواضعة إلى القمة التي تحتلها اليوم.

وفي المدارج، كان جمهورها في الموعد، يلتقط النوتات الأولى من الأغاني ويردد الكلمات حتى أطلت، ورافقتها هالة من التصفيق والهتاف، وكانت أغنية "كل اللي بيحبوني" كلمة السر مع عشاقها. تلك الأغنية التي لطالما كانت جسراً بين إليسا وجمهورها، تحولت في تلك الليلة إلى نشيد جماعي، يردده الحضور وكأنه وعد بالوفاء والحب الأبدي.

ومنذ إطلالتها، سرت بينها وبين جمهور متنوع غصت به الكراسي والمدارج كيمياء توهجت بتفاعل لافت، رسمته حركتها على الركح وهي تحيي الحضور الذي غادر مقاعده وصاغ معها ملامح سهرة لن تغادر الذاكرة. كانت الطاقة المتدفقة بين الخشبة والمدارج دليلاً على علاقة متينة تجاوزت حدود الزمن، وجعلت من هذه العودة أكثر من مجرد حفل غنائي، بل احتفاءً بذاكرة مشتركة.

ولم تخف إليسا فرحها بالعودة إلى مهرجان قرطاج الدولي بعد غياب، ومدت رابطاً تاريخياً بينها وبين المكان الذي اختزن صوتها منذ 17 سنة، وتحدثت عن عليسة التي تفتخر بأنها تحمل اسمها. في تلك اللحظة، تلاقت الأسطورة التونسية القديمة مع النجمة اللبنانية المعاصرة، وكأن التاريخ يعيد كتابة نفسه على خشبة المسرح الأثري، حيث تلتقي الحضارات وتتآلف القلوب.

وبمصاحبة فرقة موسيقية بقيادة المايسترو فادي عزّو، تواترت أغانٍ من مدونتها الموسيقية التي تراهن على شاعرية الكلمة وصدق الإحساس وانسيابية الألحان وانفتاحها على تلوينات موسيقية مختلفة. كانت الفرقة خير داعم لأداء إليسا، حيث أضفت على الأغاني أبعاداً جديدة، وجعلت منها تجربة سمعية متكاملة، تتنقل بين الرومانسية الهادئة والحماس الصاخب.

"أحلى رجعة لتونس بوجودكم" – لم تنفك إليسا تغازل الجمهور الذي لبى نداءها منذ أن قالت "يلا يلا" في بداية حفلها، وكان رفيقها وهي تستذكر مراحل مختلفة من مسيرتها الموسيقية وتختال بين قديمها وجديدها. كل أغنية كانت محطة في رحلة فنية حافلة، تحمل في طياتها ذكريات ومشاعر، وتجسد تطوراً مستمراً في أسلوبها وصوتها.

إليسا التي تعد من بين الفنانين الذين صنعت أغنياتهم، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، هوية فنية متفردة وذاكرة خاصة لدى جمهور عربي واسع، عادت إلى مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين لتجدد العهد مع جمهور يعرف صوتها، ويحفظ أغنياتها، ويتابع تحوّلاتها من ألبوم إلى آخر. إنها واحدة من القلائل الذين استطاعوا الحفاظ على حضورهم عبر عقود من التغيرات المتسارعة في صناعة الموسيقى، دون أن يفقدوا جوهرهم أو يبتعدوا عن جمهورهم.

في قرطاج، حيث تختبر الأغنية قدرتها على الوصول إلى مدارج مكتظة وإلى جمهور متنوع الأذواق والأجيال، اعتلت إليسا الركح تحمل رصيداً فنياً وجماهيرياً جعلها واحدة من أكثر الأسماء حضوراً في المشهد الغنائي العربي خلال العقود الأخيرة. وهذا الحضور لم ينبن على وفرة الإنتاج وحدها، بل على هوية فنية واضحة اختارت منذ البداية أن تجعل من الأغنية العاطفية لغتها الأساسية.

لإليسا مع قرطاج ذاكرة تعود إلى سنة 2009، حين اعتلت المسرح الأثري ضمن الدورة الخامسة والأربعين للمهرجان أمام جمهور غفير ردد يومها أغنياتها معها، من ألبوم "أيامي بيك". كان ذلك اللقاء واحداً من المحطات التي كشفت مبكراً عن حجم العلاقة التي نسجتها إليسا مع جمهور تونسي وجد في صوتها وفي أغنياتها ما يشبه تفاصيله العاطفية.

اليوم، بعد سنوات طويلة، تعود إليسا إلى الركح نفسه، لكن في سياق مختلف. فالفنانة التي بدأت رحلتها من "استوديو الفن" سنة 1992، عاشت تحولات كبيرة عرفتها صناعة الموسيقى العربية، من زمن الألبوم إلى زمن الأغنية المنفردة، ومن التلفزيون والإذاعة إلى المنصات الرقمية. ومع ذلك، ظل خطها الفني واضحاً، ولم تفقد أغنيتها ملامحها الأساسية، إذ اختارت منذ بداياتها أن تراهن على صوتها وعلى قدرتها على نقل الإحساس، وأن تشتغل على شخصية غنائية تقوم على الدفء والحميمية، وعلى الاقتراب من التفاصيل العاطفية.

من "عايشالك" إلى "أجمل إحساس"، ومن "تصدق بمين" إلى "أسعد واحدة"، و"سهرنا يا ليل" و"إلى كل اللي بيحبوني"، تشكل رصيداً جعل الأغنية العاطفية جزءاً ثابتاً من صورتها الفنية. وقد استفادت إليسا من تعاونات عديدة مع أسماء مؤثرة في صناعة الموسيقى العربية، من بينها مروان خوري، محمد رحيم، زياد برجي، وليد سعد، وغيرها من التجارب التي ساهمت في تنويع رصيدها والمحافظة على حضورها في سوق موسيقية شديدة التحول.

لكن اللافت في تجربة إليسا أن نجاحها لم يتوقف عند حدود الانتشار، فقد استطاعت أن تجعل من أسلوبها علامة يمكن تمييزها، وأن تحافظ على مساحة خاصة داخل جيل شهد بروز أصوات نسائية عديدة. فهي تعيد تعريف الأغنية الرومانسية في كل مرحلة ضمن إنتاج جديد وتوزيعات مختلفة وموضوعات تلامس تحولات جمهورها. ومن هنا يمكن فهم استمرارية حضورها، فأعمالها ليست كلها متشابهة، لكنها تنطلق من الحساسية الفنية نفسها، ومن ذلك التوازن بين البساطة في التلقي والوضوح في التعبير.

في قرطاج، تأخذ العلاقة بينها وبين جمهورها بعداً آخر، فهو لم يأت فقط ليستمع إلى الجديد، بل يأتي أيضاً ليستعيد ما رافقه في سنوات سابقة. لذلك يصبح الحفل مساحة تلتقي فيها الأغنية القديمة بالجديدة، والذاكرة بالحاضر. والدورة الستون لمهرجان قرطاج الدولي تضيف إلى هذا اللقاء قيمة رمزية، فالمهرجان يحتفل بستة عقود من المواعيد الكبرى مع الموسيقى والفنون، وإليسا تعود إليه بعد مسافة زمنية طويلة تحمل في طيّات تجربتها الكثير من التغييرات.

وبين تاريخ المهرجان وتاريخ الفنانة، تتقاطع ذاكرتان: ذاكرة ركح احتضن أسماء عربية وعالمية كبرى، وذاكرة صوت اختار أن يجعل من العاطفة طريقاً إلى الجمهور. ولم يكن الاختبار الحقيقي لإليسا في قرطاج إثبات أنها فنانة جماهيرية – فقد حسمت مسيرتها هذا الأمر منذ سنوات – وإنما تأكيد أن العلاقة مع الجمهور يمكن أن تعبر الزمن. فأن تعود إليسا إلى المكان نفسه بعد سنوات، فتستقبلها أصوات الجمهور وهي تردد كلمات أغانيها، برهان على أنها نجحت في تحويل اللون الرومانسي إلى هوية فنية متماسكة، وأن الأغنية العاطفية، حين تكون صادقة، تبقى حية في القلوب، مهما تقلبت الأزمان وتغيرت وسائل الاستماع.

Related Articles