بقلم: جيهان غديرة
على ذروة العمود الفقري للبلاد التونسية، وعلى ارتفاع يناهز 1174 مترًا فوق سطح البحر، تقف كسرى، التابعة لولاية سليانة، شامخة بين الغيوم، كأنها قصيدة نُسجت من الحجر والخضرة.
فهي ليست فقط أعلى منطقة مأهولة بالسكان في تونس، بل تعد إحدى أبرز الوجهات الواعدة للسياحة الجبلية والبيئية، بما تختزنه من مناظر طبيعية خلابة وإرث حضاري يمتد لآلاف السنين.
عين سلطان والشلالات.. سحر الطبيعة البكر يغري هواة المغامرة والتخييم
عند وصولك إلى كسرى، و منذ اللحظات الأولى يغمرك هدوء مهيب ويسحبك هواء جبليًا نقيًا وصمتًا لا يقطعه سوى خرير المياه.. هناك، تتعانق غابات الصنوبر الخضراء مع سفوح الجبال، وتنسكب مياه "عين سلطان" وشلالاتها العذبة بين الصخور المتراصة، لتشكل لوحة طبيعية بكر تأسر الروح قبل العين.
ولعل هذا النقاء هو ما جعل من كسرى ملاذاً مفضلاً لعشاق التخييم، والمشي في المسالك الجبلية، وهواة التصوير الفوتوغرافي.الذين يجدون في مناظرها مادة لا تُقدّر بثمن.
وتمنح الإطلالات البانورامية من قمم كسرى الزائر تجربة فريدة، حيث تمتزج زرقة السماء بخضرة الغابات في لوحة طبيعية قلّ نظيرها داخل تونس.
من البونية إلى الإسلامية... تاريخ عريق ينبض بالحياة تحت ظلال الحصن البيزنطي
ليست كسرى مجرد قرية جبلية تتزين بالغابات والينابيع، بل هي سجل مفتوح لتاريخ تعاقبت على صفحاته حضارات عديدة، من البونية والرومانية إلى البيزنطية ثم الإسلامية، تاركةً وراءها شواهد أثرية تعكس ثراء المنطقة وأهميتها عبر العصور. ويظل الحصن البيزنطي، المشرف على قمم الجبال، أبرز معالمها التاريخية، شاهداً على قرون من التحولات الحضارية، إلى جانب متحف العادات والتقاليد الذي يحفظ الذاكرة المحلية ويعرّف الزوار بخصوصية التراث الأمازيغي وأسلوب الحياة الجبلية الأصيلة.
وتقع كسرى في ولاية سليانة على ارتفاع يقارب 1174 مترًا فوق سطح البحر، ما يجعلها أعلى منطقة مأهولة بالسكان في تونس. وتمتزج في ربوعها المقومات الطبيعية بالتاريخية؛ إذ تنتشر غابات الصنوبر والبلوط، ومنابع المياه الطبيعية مثل عين سلطان وشلالاتها، فيما توفر مسالكها الجبلية تجربة فريدة لعشاق المشي والاستكشاف. كما تحتفظ بآثار تعود إلى الحضارات القديمة، ما يجعلها وجهة تجمع بين الطبيعة والتاريخ في آن واحد.
كما تستقطب الزوار على مدار العام، حيث تكتسي قممها بالثلوج خلال الشتاء في مشهد نادر داخل تونس، بينما يمنحها الربيع والصيف مناخًا معتدلًا ومناظر طبيعية خلابة، يجعلها وجهة مثالية للسياحة البيئية والجبلية.
بين بياض الشتاء واعتدال الصيف.. مقومات كبرى تتحدى نقص البنية التحتية
تزدهر الحركة السياحية في كسرى طوال العام؛ ففي الشتاء تكتسي قممها برداء الثلج الأبيض لتتحول إلى عروس إغريقية في في مشهد نادر داخل ، بينما تفتح قلبها في الربيع والصيف للعائلات والمغامرين بفضل مناخها المعتدل.
ورغم هذا الرصيد الطبيعي والثقافي الزاخر، إلا أن كسرى لا تزال تواجه تحديات تنموية، أبرزها محدودية البنية التحتية ونقص مرافق الإيواء والخدمات. ، وهو ما يحول دون استغلال إمكاناتها بالشكل الأمثل. ويؤكد خبراء القطاع أن تطوير مشاريع السياحة البيئية والريفية بالمنطقة ، وتحسين البنية الأساسية، كفيل بتحويلها إلى قطب سياحي مستدام ، يساهم في خلق فرص عمل جديدة، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وتعزيز التنمية في الجهات الداخلية.
السياحة المستدامة .. رؤية جديدة لتنمية الجهات الداخلية
شهدت السنوات الأخيرة تزايد المبادرات الهادفة إلى التعريف بكسرى، سواء عبر التظاهرات الثقافية أو برامج السياحة الإيكولوجية، وهو ما يعكس تنامي الاهتمام بهذا الكنز الطبيعي والثقافي. ولعل مستقبل كسرى لا يكمن فقط في استقبال الزوار، بل في ترسيخ نموذج للسياحة المستدامة يحافظ على البيئة والتراث، ويمنح المجتمعات المحلية دورًا محوريًا في التنمية.
كسرى ليست مجرد قرية جبلية، بل وجهة تروي قصة تونس الأخرى؛ تونس الجبال والغابات والينابيع والآثار. إنها مكان يلتقي فيه التاريخ بالطبيعة، وتتحول فيه السياحة إلى فرصة حقيقية للتنمية المستدامة. وبين السحاب الذي يلامس قممها، والتاريخ الذي يسكن حجارتها، تبقى كسرى واحدة من أجمل الكنوز السياحية التي تستحق أن تُكتشف من جديد.