بقلم: جيهان غديرة
مع خيوط الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ أرقام الاقتصاد في البلاغات الرسمية، تكون مئات النساء في أرياف تونس ومدنها قد بدأن رحلة شاقة لصناعة الحياة.
بين شاحنات نقل تفتقر لأدنى شروط الأمان، وحقول تلفحها شمس الجفاف، وطاولات مشاريع صغرى تصارع البيروقراطية؛ تخوض المرأة التونسية اليوم معركة صامتة من أجل التمكين الاقتصادي.
لم يعد الاستقلال المالي مجرد خيار حقوقي أو رفاهية فكرية، بل تحوّل إلى خط الدفاع الأول وصمام الأمان الوحيد في وجه هشاشة اجتماعية تعصف بالحقوق الأساسية للفئات الأكثر عرضة للتهميش. في هذا التقرير، نفتح ملف التمكين الاقتصادي للنساء في تونس، ليس كأرقام صماء، بل كقضية عدالة مجتمعية متكاملة الأركان.
بين تحديات الواقع وآفاق التغيير
لم يعد الحديث عن التمكين الاقتصادي للمرأة التونسية مجرد مطلب حقوقي أو شعار تنموي، بل أضحى ضرورة اجتماعية واقتصادية تفرضها التحولات المتسارعة التي تشهدها البلاد. ففي ظل ارتفاع نسب البطالة وتفاقم الضغوط المعيشية واتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية، يبرز تمكين المرأة اقتصادياً كأحد أهم الرهانات القادرة على تعزيز استقرار الأسرة ودعم التنمية المحلية والحد من الفقر والتهميش.
وتكشف المؤشرات الأخيرة عن استمرار الفجوة بين الجنسين في سوق الشغل، إذ تلامس نسبة البطالة لدى النساء، خاصة صاحبات الشهادات العليا، 35% مقابل نحو 20% لدى الرجال، وهو ما يعكس ما يُعرف بـ"التعطل المزدوج" الذي تعاني منه المرأة التونسية. ولا تتوقف التحديات عند حدود التشغيل، بل تمتد إلى فجوة الأجور، حيث لا تزال العديد من النساء في القطاع الخاص والاقتصاد غير المنظم يتقاضين ما بين 70% و80% فقط من أجر الرجل مقابل العمل نفسه.
ويزداد هذا الواقع تعقيداً بفعل ما يُعرف بـ"اقتصاد الرعاية"، حيث تتحمل المرأة النصيب الأكبر من الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال وكبار السن، وهي مهام غير مدفوعة الأجر تستنزف وقتها وجهدها وتحدّ من فرص اندماجها الكامل في النشاط الاقتصادي.
ورغم المكاسب التشريعية والاجتماعية التي حققتها المرأة التونسية على امتداد عقود، فإن الطريق نحو المساواة الاقتصادية الفعلية لا يزال محفوفاً بالتحديات، خاصة بالنسبة للنساء في المناطق الداخلية والريفية، حيث تتداخل البطالة وضعف البنية التحتية ومحدودية فرص الاستثمار لتجعل من التمكين الاقتصادي ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.
المرأة الريفية... عماد الإنتاج وضحية التهميش
إذا كانت المرأة في المدن تواجه صعوبات في الاندماج الاقتصادي والنفاذ إلى فرص العمل اللائق، فإن واقع النساء في المناطق الداخلية والريفية يبدو أكثر هشاشة وتعقيداً. فالآلاف من العاملات الفلاحيات يساهمن يومياً في مختلف مراحل الإنتاج الزراعي، من الغراسة والجني إلى الفرز والتعليب، غير أن هذه المساهمة الحيوية في الاقتصاد الوطني لا تقابلها دائماً حماية اجتماعية أو ظروف عمل تحفظ كرامتهن وحقوقهن الأساسية.
تقول "مبروكة"، عاملة فلاحية تبلغ من العمر 34 عاماً من ولاية القصرين، تختصر هذا الواقع بمرارة:
" نخرج قبل قبل الفجر ونرجع مع العشية في ظروف صعيبة برشة. نخدم ساعات طويلة باش نوفر لقمة العيش لصغاري، أما لا عندي تغطية اجتماعية لا ضمان صحي. وكي نمرض، نلقى روحي بين زوز اختيارات: يا إمّا نضيّع نهار خدمة وما ناخذش أجرتي، يا إمّا نسكت على وجيعة المرض ونواصل نخدم. أكثر حاجة تخوّفني هي النقل، خاطر كل مشوار للخدمة فيه بر شا مخاطرة. بالنسبة ليا، التمكين موش مجرد خدمة، التمكين هو إني نخدم بكرامة، ونتقاضى أجر يحميني من الحاجة ويضمنلي ولولادي عيشة كريمة ."
وتعيد هذه الشهادة إلى الواجهة ملف النقل الريفي غير الآمن الذي حصد أرواح عشرات العاملات خلال السنوات الأخيرة، ليصبح رمزاً لمعاناة المرأة الريفية في تونس فيما يعرف إعلامياً بـ" شاحنات الموت " . ورغم تكرار الحوادث والمطالبات بإيجاد حلول جذرية، لا تزال العديد من العاملات يواجهن يومياً مخاطر التنقل في وسائل نقل تفتقر إلى أدنى شروط السلامة.
ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ تلقي التغيرات المناخية والجفاف وشح الموارد المائية بظلالها الثقيلة على النساء اللاتي يعتمدن على الأنشطة الفلاحية كمصدر رئيسي للرزق. فالجفاف المتواصل وشح الموارد المائية وتراجع الإنتاجية الزراعية عوامل تزيد من هشاشة الأوضاع الاقتصادية للأسر الريفية، وتؤثر بشكل مباشر على مداخيل النساء العاملات وصاحبات المشاريع الفلاحية الصغرى.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح التمكين الاقتصادي للمرأة الريفية أكثر من مجرد هدف تنموي؛ إذ يمثل ضرورة ملحة لضمان العيش الكريم والحد من الفقر والتهميش. فتمكينها من التغطية الاجتماعية، وتحسين ظروف العمل والنقل، وتسهيل النفاذ إلى التمويل والتكوين، من شأنه أن يحولها من ضحية للهشاشة إلى فاعل أساسي في تحقيق التنمية المحلية المستدامة.
العنف الاقتصادي... الوجه الخفي للهشاشة
لا يقتصر العنف المسلط على المرأة على الأشكال الجسدية أو النفسية، بل يمتد إلى ما يعرف بالعنف الاقتصادي، الذي يتجلى في حرمانها من التصرف في دخلها أو ممتلكاتها أو حقوقها المالية، أو منعها من ممارسة نشاط اقتصادي مستقل.
وفي محاولة لتفكيك هذه الظاهرة من منظور سوسيولوجي، ترى الباحثة في علم الاجتماع، د. منال العبروقي، أن غياب التمكين الاقتصادي الفعلي يحوّل الفئات النسائية الأكثر هشاشة إلى حلقة ضعيفة أمام الصدمات الاجتماعية المتتالية. وتضيف العبروقي أن إدماج المرأة التونسية في الدورة الاقتصادية المنظمة ليس مجرد غاية تنموية، بل هو إعادة صياغة جذرية لعلاقات القوة داخل البناء الأسري، وبدون هذا الاستقلال المالي، تظل خطط الحماية الاجتماعية قاصرة عن مجابهة الأشكال المستجدة من التمييز والعنف الاقتصادي."
ورغم وجود إطار قانوني يجرّم مختلف أشكال العنف ضد المرأة، فإن التحدي الحقيقي يبقى في التطبيق الفعلي للقوانين وتوفير آليات حماية ومرافقة ناجعة للمتضررات.
فاطمة، أرملة تبلغ من العمر 45 عاماً من ولاية الكاف، تروي جانباً من هذه المعاناة:
"بعد ما توفى راجلي، لقيت روحي في مهب الريح، من غير حتى فرنك. القوانين نسمعوا بيها موجودة، أما الأوراق والإجراءات باش تاخذ دعم وإلا قرض صغير ، حاجة تدوّخ معقدة وطويلة وتفدّد لولا ربي ومساندة جمعية نسوية وقفت معايا ، راني لليوم لا نجمت نشري ماكينة خياطة، ولا قدرت نعيّش بيها صغاري ونصرف عليهم".
ورغم أهمية المكاسب القانونية التي جاء بها القانون عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، فإن العديد من المتابعين يؤكدون أن التحدي الحقيقي يكمن في تفعيل آليات الحماية وتسهيل النفاذ إلى الخدمات الاقتصادية والاجتماعية للنساء في وضعيات الهشاشة.
الريادة النسائية... بصيص أمل في مسار التغيير
في خضم هذه المعضلات، تبرز بارقة أمل في المبادرات التي تقودها النساء ، استطاعت تحويل التحديات إلى فرص. فقد تمكنت العديد من النساء من بعث مشاريع صغرى ومتوسطة في مجالات الصناعات الغذائية والحرف التقليدية والخدمات والتكنولوجيا، مساهمات بذلك في خلق مواطن شغل وتنشيط الدورة الاقتصادية المحلية.
تقول "سلمى"، صاحبة مشروع لتحويل المنتجات المحلية:
" بديت بفكرة بسيطة وقرض صغير، واليوم المشروع متاعي ولى مصدر رزق ليا ولعدد من النساء في المنطقة. الاستقلال المادي بدّل حياتي، عطاني الثقة في روحي وخلاني نجم نخطط لمستقبلي ومستقبل صغاري بكل أريحية ."
وتأكد "آمال" (29 سنة، صاحبة مشروع ناشئ "بديت مشروعي في التسويق الرقمي وأنا في داري. في الأول لقيت برشا صعوبات ورفض، وحتى التمويل كان حكاية فارغة. أما اليوم، بعد ما نجحت، وليت شريكة في القرار المالي في دارنا، وثيقتي في روحي تقوات برشا. التكنولوجيا كانت بالنسبة ليا طاقة حلت عليا بيبان الدنيا، وخرجتني من دائرة التبعية اللي كنت محبوسة فيها ."
هذه الديناميكية الجديدة تعيد تعريف مفهوم العمل، ولتعزيز هذا الصمود، بات من الضروري توجيه آليات " التمويل الأخضر والبديل" نحو المناطق الداخلية، وتيسير سبل الحصول على القروض لمشاريع ذات قيمة مضافة.
استثمار في مستقبل تونس
يرى خبراء الاقتصاد أن تعزيز مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي يمثل أحد أهم مفاتيح النمو والتنمية المستدامة، لما له من تأثير مباشر على تحسين مستوى عيش الأسر وتقليص نسب الفقر والبطالة.
فالمرأة المتمكنة اقتصادياً لا تحمي نفسها فقط من الهشاشة، بل تساهم في حماية أسرتها ومحيطها الاجتماعي، وتصبح فاعلاً أساسياً في بناء اقتصاد أكثر شمولاً وعدالة.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، يبدو واضحاً أن تمكين المرأة التونسية لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية.
فكل خطوة نحو تعزيز استقلاليتها الاقتصادية هي خطوة نحو مجتمع أكثر استقراراً وتماسكاً وقدرة على مواجهة الأزمات.
في نهاية المطاف، تثبت التجربة اليومية على الأرض أن التمكين الاقتصادي للمرأة التونسية ليس مجرد بند في جداول تمويل دولية أو شعار يُرفع في الفعاليات الموسمية؛ بل هو عماد الاستقرار الأسري والمجتمعي، والركيزة الأساسية لبناء اقتصاد وطني صامد في وجه الأزمات.
إن قصص الكفاح الصحراوية في الحقول، ومبادرات الريادة الرقمية في المدن، تؤكد جميعها أن نساء تونس لا يبحثن عن حلول ترقيعية، بل عن بيئة قانونية واستثمارية عادلة تضمن لهن الكرامة والأمان المالي.
ويبقى السؤال معلقاً في أفق السياسات العمومية: متى تتحول هذه الإرادة النسائية الصلبة إلى استراتيجية دولة شاملة تنتشل الفئات الأكثر هشاشة من دوامة التهميش إلى رحاب البناء الفعلي؟