ريبورتاج: جيهان غديرة
في صباح الثالث من جويلية، دخلت "حنان" مقر عملها كما اعتادت منذ سنوات. حيّت زملاءها، جلست إلى مكتبها، وشرعت في إنجاز مهامها اليومية، غير مدركة أن ذلك سيكون آخر يوم لها داخل المؤسسة التي أفنت فيها سنوات من عمرها.
لم تكن تعلم أن الباب الذي دخلته كل صباح سيُغلق خلفها هذه المرة بقرار أنهى مسيرتها المهنية، وفتح أمامها أبواب البطالة والقلق والمجهول.
حنان ، خريجة تعليم عالٍ، كرّست سنوات من حياتها لخدمة مؤسسة عمومية بعقود عمل محددة المدة، على أمل أن يقودها الاجتهاد والاستمرارية إلى الاستقرار الوظيفي. ومع صدور القانون عدد 9 لسنة 2025، كانت تعتقد، مثل غيرها، أن مرحلة الهشاشة المهنية شارفت على النهاية، وأن سنوات العمل ستُترجم إلى اعتراف بحقها في الاستقرار.
لكن ما حدث كان مخالفًا لكل توقعاتها، فبدل أن تتسلم قرار ترسيمها، تسلمت قرارًا بإنهاء عملها، لتجد نفسها، بين عشية وضحاها، من موظفة تؤدي واجبها إلى باحثة عن عمل، تحمل ملفها بين الإدارات والمحاكم، باحثة عن إجابة لسؤال واحد: هل يمكن أن تتحول سنوات الخدمة إلى مجرد ذكرى بانتهاء عقد؟
تقول، وهي تسترجع تلك اللحظات بمرارة:: " كنت أعتقد أن صدور القانون عدد 9 لسنة 2025 سيضع حدًا للهشاشة التشغيلية، لكنه بالنسبة إليّ كان بداية البطالة."
سنوات من العطاء وحلم الاستقرار
التحقت محدثتنا بالمؤسسة العمومية منذ سنوات بموجب عقود عمل محددة المدة كانت تُجدد تباعًا كل سنة ، وكانت تؤدي المهام نفسها، وفي المكتب نفسه، إلى جانب زملاء ربطتها بهم سنوات من العمل والخبرة.
ومع كل تجديد للعقد، كان يكبر أملها في أن يتحول الاستقرار المهني إلى واقع ملموس.
وتؤكد المتضررة أن آخر عقد عمل لها انتهى بتاريخ 30 جوان، إلا أنها واصلت أداء مهامها بصفة عادية إلى غاية 3 جويلية، في انتظار تسوية وضعيتها الإدارية. وتقول إنها كانت تنتظر، استنادًا إلى أحكام القانون عدد 9 لسنة 2025، إصدار قرار بترسيمها أو تسوية وضعيتها المهنية، غير أنها فوجئت ، بصدور قرار يقضي بإيقافها عن العمل.
وتضيف : "كنت أذهب إلى عملي كل صباح وأؤدي واجبي بكل مسؤولية. لم يخطر ببالي أن تكون نهاية سنوات من الخدمة قرارًا بإنهاء عملي. كنت أنتظر بطاقة الترسيم، فإذا بي أتلقى قرار الإيقاف."
وتؤكد حنان أن هذا القرار غيّر مسار حياتها المهنية، ودفعها إلى خوض مسار إداري وقضائي للمطالبة بحقوقها، معتبرة أن ما حصل معها يتعارض، مع الغاية التي صدر من أجلها القانون والمتمثلة في الحد من التشغيل الهش.
فالسنوات التي قضتها داخل المؤسسة لم تكن مجرد عقود متتالية، بل كانت مسيرة مهنية حقيقية اكتسبت خلالها خبرة عملية، وتحملت مسؤولياتها كاملة، وربطت مستقبلها الوظيفي بالمؤسسة التي خدمت فيها بإخلاص.
تداعيات تتجاوز حدود الوظيفة
لكن الواقع كان مختلفًا. فبدل أن يتحقق حلم الاستقرار، وجدت نفسها خارج المؤسسة، دون مورد رزق، ودون وضوح بشأن مستقبلها المهني. وتقول إنها أمضت الأشهر التالية متنقلة بين الإدارات والوزارات والجهات المختصة، ثم لجأت إلى القضاء، أملاً في استرجاع حقها، لكنها لا تزال تنتظر الحسم في ملفها.
ولم تقتصر تداعيات إنهاء علاقة الشغل على الجانب المهني فقط، بل امتدت إلى أبعاد اجتماعية ونفسية وصحية. وتؤكد المتضررة أن فقدانها لمورد رزقها الوحيد وضعها أمام صعوبات مالية متزايدة، وأجبرها على تأجيل التزاماتها ومشاريعها الشخصية.
كما رافقها شعور دائم بالقلق والتوتر والإحباط، نتيجة حالة عدم اليقين التي عاشتها منذ إيقافها عن العمل.
وتعلق على ذلك قائلة: " لم أخسر وظيفة فقط، بل خسرت الاستقرار الذي بنيته على مدى سنوات. أصبحت أعيش تحت ضغط نفسي متواصل، وأفكر كل يوم كيف سأواصل حياتي بعد أن وجدت نفسي، فجأة، خارج المؤسسة التي أفنيت فيها سنوات من عمري."
بين فلسفة القانون وإشكاليات التطبيق
تفتح هذه القصة حنان الباب أمام نقاش أوسع حول مصير الأعوان الذين عملوا لسنوات بعقود محددة المدة داخل المؤسسات العمومية، وكيفية تطبيق القانون عدد 9 لسنة 2025 على أرض الواقع.
ويرى عدد من المختصين في قانون الشغل أن الهدف الأساسي من هذا القانون يتمثل في الحد من التشغيل الهش وتعزيز الاستقرار المهني، غير أن بعض الملفات أفرزت إشكاليات قانونية وإدارية تتعلق بكيفية التعامل مع الوضعيات الشغلية القائمة قبل صدوره .
ويؤكد مختصون أن الفصل في مثل هذه النزاعات يبقى من اختصاص القضاء، الذي ينظر في كل ملف على حدة، بالاستناد إلى النصوص القانونية والعقود والوقائع الخاصة بكل حالة.
وراء كل عقد ينتهي، لا توجد وثيقة إدارية فحسب، بل قصة إنسانية، وأسرة، وأحلام مؤجلة، وشهادة جامعية كانت صاحبتها تؤمن بأن الاجتهاد والالتزام سيقودانها إلى الاستقرار، فإذا بها تجد نفسها أمام واقع جديد عنوانه البطالة.
ويبقى السؤال مطروحًا: كيف يمكن تحقيق أهداف إصلاح منظومة التشغيل، مع ضمان عدم تحول من أفنوا سنوات في خدمة المؤسسات العمومية إلى أول المتضررين من مرحلة الانتقال؟ وهل يكمن الإشكال في نص القانون، أم في كيفية تطبيقه؟
أسئلة تبقى مطروحة في انتظار ما ستسفر عنه المسارات الإدارية والقضائية، وما قد تقدمه الجهات المعنية من توضيحات.