Print this page

الخبز المدعّم في تونس: بين حماية القدرة الشرائية ومقاومة "لوبيات" الاستغلال

نيسان/أبريل 17, 2026

بقلم: جيهان غديرة

لم تعد مسألة الخبز في تونس مجرّد تفصيل يومي على مائدة المواطن، بل تحوّلت إلى ملفّ سياسي واقتصادي بامتياز، تتقاطع فيه التزامات الدولة الاجتماعية مع كواليس السوق الموازية. إنها معركة توازن دقيقة بين حماية القدرة الشرائية من جهة، ومواجهة شبكات استغلال منظومة الدعم من جهة أخرى.

منظومة دعم تحت الضغط

تُعدّ الفارينة المدعّمة من أبرز ركائز سياسة الدعم، حيث تُخصّص أساسًا لإنتاج الخبز الشعبي بأسعار منخفضة. غير أنّ الواقع يكشف عن انحرافات خطيرة، إذ يتمّ في عديد الحالات تحويل هذه المادة إلى صناعات أخرى، مثل المرطبات والفطائر، التي تُباع بأسعار مرتفعة لا تعكس كلفة المواد الأولية المدعّمة.

هذا التوظيف غير المشروع لا يُثقل فقط كاهل المالية العمومية، بل يضرب أيضًا مبدأ العدالة الاجتماعية، إذ يُفترض أن يُوجَّه الدعم للفئات محدودة الدخل، لا أن يتحوّل إلى مصدر ربح غير مشروع.

وتُظهر الأرقام حجم المفارقة: فبينما يُباع الخبز المدعّم بحوالي 190 مليم، تُقدّر كلفة إنتاجه الحقيقية بنحو 600 مليم، ما يعني أنّ الدولة تتحمّل فارقًا يقارب 400 مليم عن كل رغيف. كما تُزوَّد المخابز بالفارينة بأسعار رمزية، في حين تتجاوز كلفتها الحقيقية بكثير هذا المستوى، إضافة إلى تحمّل الدولة جزءًا هامًا من كلفة توريد القمح، في ظل اعتماد تونس على التوريد لتغطية نحو 60% من حاجياتها.

هذه الأرقام تعكس بوضوح حجم العبء الذي تتحمّله المالية العمومية لضمان مادة أساسية للمواطن.

ثقوب في كيس الدقيق

رغم وضوح أهداف الدعم، إلا أنّ “ثقوب” المنظومة تسمح بتسرّب كميات هامة من الفارينة إلى غير مستحقيها. وقد كشفت عمليات رقابية حديثة عن حجز عشرات القناطير من الفارينة المدعّمة كانت موجّهة لصناعة المرطبات بدل الخبز.

ويزداد هذا الخلل تعقيدًا مع تشعّب القطاع، الذي يضمّ آلاف المخابز التقليدية والعصرية، ما يصعّب تتبّع مسالك التوزيع وإحكام الرقابة.

وفي هذا السياق، دقت منظمات الدفاع عن المستهلك ناقوس الخطر، محذرة من ممارسات "ملتوية" تهدف إلى استنزاف جيوب المواطنين، تبدأ من التقليص المتعمد لإنتاج الخبز المدعم، وتمر عبر توجيه المستهلك قسراً نحو المنتجات الأغلى ثمناً، وصولاً إلى استغلال فترات الذروة لتعظيم الأرباح على حساب حق التونسيين في مادة حيوية ومؤمنة

خبز النخالة: إصلاح أم تهديد للمصالح؟

في مواجهة هذه الاختلالات، برز توجّه الدولة نحو تعميم إنتاج خبز مدعّم من دقيق مخلوط بالنخالة. ويُقدَّم هذا الخيار كضربة مزدوجة؛ فهو خيار صحي يعيد الاعتبار لفوائد الحبوب الكاملة، وفي الوقت ذاته، يمثل أداة رقابية فعالة، إذ يصعب استخدام هذا النوع من الدقيق في صناعة المرطبات الفاخرة، مما يقلل من فرص تسريبه للسوق السوداء.

كما يندرج هذا التوجّه ضمن سياسة أوسع تهدف إلى الحفاظ على استقرار أسعار المواد الأساسية، حيث تمّ تخصيص ميزانيات هامة لمواصلة دعم الخبز خلال سنتي 2025 و2026

غير أنّ هذا التوجّه لم يمرّ دون جدل. فقد تصاعدت حملات التشكيك، خصوصًا في الجانب الصحي، رغم أنّ خبز النخالة كان يُسوّق سابقًا كخيار مفيد يُباع بأسعار أعلى،  أصبح فجأة محلّ تشكيك بمجرد إدراجه ضمن منظومة الدعم ،  هذا التحوّل في الخطاب يطرح تساؤلات حول خلفياته، خاصة مع اعتبار بعض المراقبين أنّه يعكس مقاومة من أطراف تضرّرت مصالحها نتيجة تشديد الرقابة.

المواطن… الحلقة الأضعف

وسط هذه التجاذبات، يبقى المواطن التونسي المتأثّر الأول. بين طوابير الانتظار، وتذبذب التزويد، وتضارب الخطاب حول جودة الخبز، يجد نفسه أمام معادلة معقّدة تمسّ أمنه الغذائي اليومي.

إن إصلاح منظومة الدعم في تونس اليوم ليس مجرد إجراء تقني لتوفير الأموال، بل هو معركة سيادة وطنية ضد الاقتصاد الموازي. النجاح لا يُقاس فقط بتوفير الخبز، بل بضمان وصول كل مليم من الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، بعيداً عن أيدي "سماسرة الأزمات".

معركة إصلاح لا تخلو من مقاومة

إنّ أي محاولة لإصلاح منظومة الدعم، مهما كانت وجاهتها، ستصطدم حتماً بمصالح متضرّرة. غير أنّ نجاح هذه الإصلاحات يظلّ رهين وضوح الرؤية، وشفافية التواصل، وقدرة الدولة على فرض الرقابة والتصدي للتجاوزات.

فالرهان اليوم لا يقتصر على توفير الخبز، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة ثقة المواطن في سياسات عمومية عادلة، تضع مصلحته فوق كل اعتبار.

وفي النهاية، لا تتعلّق المسألة فقط برغيف خبز، بل بنموذج اجتماعي كامل و يبقى السؤال الجوهري:هل ينجح هذا الإصلاح في تحقيق العدالة، أم يبقى رهينة لشبكات الاستغلال؟

Rate this item
(0 votes)