تفاصيل الحادثة
وفق روايات متطابقة متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، تعرّض الرضيع لوعكة صحية مفاجئة استوجبت نقله على وجه السرعة إلى مستشفى بالعاصمة. غير أن العائلة فوجئت برفض الطاقم الطبي استقباله، بدعوى عدم توفر دفتر العلاج وعدم قدرتهم على تسديد التكاليف المطلوبة في تلك اللحظة.
ومع تواصل تدهور حالته الصحية، لفظ الرضيع أنفاسه الأخيرة، لتتحول المأساة الفردية إلى قضية رأي عام تطرح أسئلة حارقة حول أولوية الإجراءات الإدارية مقابل إنقاذ الأرواح.
صرخة أم وغضب شعبي
" حق ابني ما يضيع ".. عبارة اختصرت وجع أم تحوّل إلى صرخة في وجه المنظومة الصحية.
وأكدت والدة الرضيع في تصريح إعلامي تمسّكها بملاحقة كل من يثبت تقصيره، مطالبة بكشف الحقيقة وتحميل المسؤوليات كاملة.
واشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بتعليقات غاضبة، عبّر أصحابها عن استيائهم مما اعتبروه " تعطيلاً متعمداً لحقّ العلاج" ، محمّلين الإدارة الصحية مسؤولية وفاة الرضيع، ومطالبين بفتح تحقيق فوري وشامل.
تحرّك قضائي رسمي
أمام تصاعد الغضب الشعبي، أذنت النيابة العمومية بفتح بحث تحقيقي للكشف عن ملابسات الوفاة، وتحديد ما إذا كانت هناك إخلالات إدارية أو طبية أدّت إلى هذه النتيجة المأساوية.
ويرى متابعون أن نتائج هذا التحقيق ستكون اختباراً حقيقياً لمدى جدية الدولة في محاسبة المسؤولين وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب في ملفات تمسّ الحق في الحياة.
مواقف سياسية وتحذيرات
علّقت النائبة بالبرلمان أسماء درويش على الحادثة، معتبرة أن " الفقر والإجراءات الإدارية أصبحت حاجزاً يمنع إنقاذ الأرواح " ، ووصف وفاة الرضيع بأنها " إنذار خطير يستوجب محاسبة حقيقية وإصلاحاً جذرياً للمنظومة الصحية. "
وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة من الوقائع المشابهة في المستشفيات العمومية خلال السنوات الأخيرة، ما يعيد طرح مسألة تدهور الخدمات الصحية ونقص الموارد البشرية والمالية.
جدل متجدّد حول الطوارئ وحق العلاج
أعادت وفاة الرضيع إلى الواجهة النقاش حول اشتراط استكمال الإجراءات الإدارية والمالية لتلقي العلاج في أقسام الاستعجالي، وهو ما يعتبره مختصون إخلالاً صريحاً بمبدأ أولوية إنقاذ الحياة، خاصة في الحالات الحرجة.
ويرى مراقبون أن استمرار العمل بهذه الإجراءات يكرّس الفوارق الاجتماعية، ويحرم الفئات الهشة من حقها في العلاج، في تعارض واضح مع الدستور والمواثيق الدولية التي تكفل الحق في الصحة.
بين التحقيق والانتظار
بينما تتواصل التحقيقات القضائية، يبقى الرأي العام في حالة ترقّب، في انتظار كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل من يثبت تقصيره، حتى لا تتحول مأساة هذا الرضيع إلى رقم جديد في سجل الإهمال.
لم يكن الرضيع بحاجة إلى وثيقة، ولا إلى ختم، ولا إلى إيصال دفع… كان في حاجة إلى نفسٍ إضافي فقط.
بين ممرّات مستشفى عمومي، توقّف قلب صغير قبل أن تتحرك الإجراءات، ليترك وراءه سؤالاً ثقيلاً لا يخصّ عائلة واحدة، بل يمسّ المجتمع بأسره: هل يُقاس الحقّ في الحياة بالقدرة على الدفع؟
اليوم، وبينما تُفتح التحقيقات وتُكتب البيانات، يبقى الامتحان الحقيقي أبعد من تحديد المسؤوليات الفردية، ليصل إلى منظومة كاملة مطالَبة بمراجعة أولوياتها، حتى لا يتحوّل العلاج إلى امتياز، ولا تصبح الطوارئ مشروطة، ولا يُختزل الإنسان في ملفّ إداري.
ففي بلدٍ يُفترض أن تحمي مستشفياته الضعفاء قبل غيرهم، لا يجب أن يُدفن طفل آخر تحت ركام الصمت… ولا أن تضيع صرخة أمّ تقول:" حق ابني ما يضيع"